يقول العلماء بعد هذا: على المسلم أن يحسن في كل شيء، وأول إحسان يتوجب عليه: أن يحسن على نفسه بترك المعاصي، قال تعالى: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم:6] ، وأول إحسان هو أن تبعد نفسك عن النار، وكما يقولون: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، يلي ذلك الإحسان في طاعة الله؛ وأعلى درجات الإحسان في طاعة الله، أداء الواجبات، فمن ترك واجبًا عليه لم يحسن إلى نفسه، فإذا أدى الواجبات فيؤديها على أحسن وجه، ويلي ذلك النوافل، فيحسن إلى نفسه في عبادة ربه في نوافل العبادات، وكلنا يعلم أن لكل فريضة من فرائض الإسلام نافلة، فالصلاة لها نوافل سواء كانت الراتبة أو غير الراتبة، والصيام له نوافله، وهكذا الزكاة منها ما هو نافلة؛ كالصدقة، والمرء في ظل صدقته، وكذلك الحج والعمرة، وكذلك ذكر الله، وكل ما هو عبادة لوجه الله تعالى، فإحسان العبد في ذاته أول ما يكون بتجنب المعاصي، ثم بعد ذلك في فعل الطاعات.
وقوله: (كتب الإحسان) هل الكتابة للفرض أم للندب والتوجيه؟ يقولون: كلا الأمرين، فالإحسان واجب فيما لا يتم الواجب إلا به، وتعلمون قصة المسيء صلاته -والإساءة ضد الإحسان- الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فجاء يسلم على رسول الله فقال له: (ارجع فصل فإنك لم تصل) ، يعني: عدم الإحسان ألغى العمل، ورده صلى الله عليه وسلم مرارًا حتى جاء وقال: (علمني يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لا أحسن إلا هذا، فعلمه: وقال: إذا توضأت فأسبغت وضوءك، وجئت واستقبلت القبلة فكبر، ثم اقرأ ما معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع من الركوع حتى تطمئن رافعًا ... ) ، وهنا نخاطب بعض الناس الذين تراهم يركعون ولا يطمئنون في ركوعهم، فترى الواحد منهم كأنه ينفض شيئًا عن ظهره، وكذلك الجلسة بين السجدتين، ويقولون: مذهبنا أنه ركن خفيف، فنقول: ليس في الأركان خفيف وثقيل، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يركع حتى يطمئن راكعًا، ويرفع حتى يستقر ويعود كل فقار في مقره، ويعود كل عظم في مكانه، والحركة الخفيفة ليست استقرارًا.
فالإحسان هنا واجب؛ لأنه إذا تغيب الإحسان بطلت العبادة، فقد رده صلى الله عليه وسلم مرارًا ليحسن صلاته، إذًا: الإحسان في الواجبات من حيث إتمامها وكمالها واجب، وإن كان الأصوليون يناقشون مداعبة للطلاب: القدر الذي به يتم الواجب من الطمأنينة، وما زاد عنها، وهل الزيادة واجبة أم القدر الذي تصح به الفريضة هو الواجب والباقي مندوب؟ فيقولون: أقل شيء فيه الطمأنينة في الركوع سبحان الله ثلاث مرات وهي الفريضة، وإذا سبح عشر مرات فهي إحسان، وزيادة في الإحسان.
إذًا: الإحسان قد يدخل الفريضة وقد يدخل النافلة، وكما يقولون: (الإحسان في كل شيء بحسبه) .
وإذا رجعنا إلى تتمة الحديث وأمر الذبح والقتل والإرفاق بالمخلوقين حتى الحيوانات، نجد قوله صلى الله عليه وسلم لما قال في قضية المرأة التي سقت الكلب، والمرأة التي حبست الهرة فقال: (دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) ، وقال في الحديث الآخر: (إن امرأة بغيًا رأت كلبًا في يوم حار يطيف ببئر، قد أدلع لسانه من العطش، فنزعت له بموقها فغفر لها) فإذا كان الأمر كذلك فإن هذا الحديث بعمومه وشموله لو طبقه الإنسان في فعل الواجبات وترك المحرمات، وفي كل ما طلب منه لكانت الحياة كلها على أحسن ما تكون.
إذًا: على كل إنسان أن ينظر في منهج حياته، أولًا: في كسبه الذي يقتات به، هل اكتسبته من طريق إحسان أم لا؟ ولينظر في الطريق الذي ينفقه فيه، هل هو طريق إحسان واضح جلي أم فيه ما فيه؟ ونقول لأولئك الذين يبذرون الأموال في المحرمات كالدخان: هل أحسنتم؟ لا.
بل أسأتم عدة مرات، أسأتم في ضياع المال، وفي فعل ما حرم الله، وفي إفساد البدن والمجتمع.
إذًا: هذا الباب لا يستطيع إنسان أن يوفيه منتهاه، ولكن القواعد العامة فيه: ما ذكر صلى الله عليه وسلم: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) ، و (كل شيء) لا يخرج منها شيء: (فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة) هذا على سبيل التمثيل في أقسى المواقف في الحياة، ومع ذلك لابد أن يكون مع الإحسان.
وبالله تعالى التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم.