فهرس الكتاب
والجراد ويحتمل غيرهما. والعموم يتناول ما يتناوله على وجه محتمل؛ فإن قوله
-تعالى إ:"حرمت عليكم الميتة" (3) يحتمل أن يريد به سوى السمك والجراد
ويحتمل أن يريد به نصهما (4) . وهذا المعنى موجود في الخاص، تقدم أو تأخر؛
فوجبب تقديمه عليه في الحالين.
ويدل عليه أن كل دليل جاز تخصيص العموم به؛ إذا تأخر جاز تخصيصه به،
وإن تقدم عليه أصله القياس، فإنه لا فرق بين أن يكون مستنبطا من أصل يتقدم على
العموم وبين أن يكون مستنبطا من أصل يتأخر عنه في جواز تخصيصه. كذلك هاهنا.
واستدلال من هذا أنه إذا جاز تخصيص العموم بالقياس، وهو مستنبط (5) من أصل
متقدم على العموم، فلأن يجوز تخصيصه بذلك الأصل أولى، لأنه فرع له وحال
الأصل أقوى من الفرع. ولهذا إذا عارض القياس نصق خبر الواحد قدم عليه. فإذا جاز
تخصيص العموم المتأخر بقياس مستنبط من أصل متقدم على العموم فلأن يجوز
تخصيصه بنص متقدم عليه أولى.
ويدل عليه [ AA ظ] أن ما يتناوله الخاص متيقن لا محالة وما يتناوله العموم مما
ورد فيه الخصوص مشكوك فيه، فلا يجوز ترك اليقين بالشك.
ويدل عليه أنه لا خلاف أنه يجوز تخصيص الألفاظ الواردة في الشرع على
سبيل العموم بأدلة العقل، وأدلة العقل تتقدم على الوجود (6) على ورود أدلة الشرع.
فإذا جاز تخصيصها بها مع تقدمها عليه للمعنى الذي ذكرناه، وهو أن أدلة العقل تتقدم
خاصة في ما يقتضيه لا تحتمل غيره، وأدلة الشرع محتملة، جاز أيضا تخصيص
العموم المتأخر بالخصوص المتقدم لهذا المعنى؛ ومثاله في العقل قوله -تعالى!:
"الله خالق كل شي ة" (7) خصصناه بدليل العقل أنه لا يجوز أن يكون خالقا لصفاته
ونفسه. كذلك هاهنا.
(3) جزء من الآية 3 من سورة الماثدة (5) .
(4) في الأصل وردت الكلمة غامضة هكذا: لعهما.
(5) في الأصل: مستسطا.
(6) هكذا في الأصل، وتفيد ما يتعلق بميدان الوجود.
(7) جزء من الآية 16 من سورة الرعد (13) ومن الآية 62 من سورة الزمر (39) .