وهذا الضابط من الأهمية بمكان لطالب العلم في فقه هذا الكتاب المبارك أعني كتاب الحج، وهو محض توفيق من الله تعالى فإنه يجمع من المسائل المهمة العظيمة ويلم فروعًا كثيرة في كتاب الحج مما يكون في ضبطه ضبطها وإتقانها، وهذا الضابط متفرع عن قاعدة مهمة في الأصول قد شرحناها في كتابنا تلقيح الأفهام، ونصها يقول: العبادة المؤقتة بوقت تفوت بفوات وقتها إلا من عذر. وبيان هذا الضابط أن يقال: اعلم - أرشدنا الله وإياك لطاعته وكمل لنا ولك مراتب العلم النافع والعمل الصالح - أن العبادات من ناحية وقتها لا تخلو إما أن تكون عبادات مؤقتة بوقتٍ كافٍ ومكان معلوم كالصلوات المكتوبة وصوم رمضان وعاشوراء وعرفة ومزدلفة ومنى والإحرام من الميقات ونحوها، وإما لا، وهذا الضابط الذي معها هو في العبادات المؤقتة بزمان أو مكان فيخرج بذلك العبادات المطلقة، وبناءً عليه فإن هذا التوقيت له شأن عظيم في الشريعة وللشارع الحكمة البالغة والمصلحة العظيمة في تقريره وتحديده، وبناءً عليه فيجب احترامه والالتزام به والتقيد به فلا ينبغي إخراجه عن وقته أو تأخيره عن مكانه أبدًا، فإنه أي هذا الفعل وهذا القول لا يكون داخلًا في حيز المشروع إلا إذا فعل في وقته ومكانه المحدد له وإلا فبالله عليك لماذا يكلف الله الناس بهذا التحديد إذا لم يكن له هذا الأثر، فلو أن الإنسان أحرم بالحج في غير أشهره ألف مرة لما وقع حجًا، لأن الله تعالى حدد للإحرام به أشهرًا معلومات فقال: {الحج أشهر معلومات} وهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، ولو أن الإنسان وقف في بقاع الدنيا كلها لم يجزئه يوم التاسع بمكانٍ معين وزمانٍ معين وهكذا فشأن التوقيت في الشريعة ليس سهلًا وهذا من تعظيم شعائر الله.