أقول: وهذا الضابط متفرع عن القاعدة الكبرى وهي: أن الشريعة جاءت لتقرير المصالح وتكميلها وتقليل المفاسد مقدم على جلب المصالح، ومتفرع أيضًا من قاعدة: إذا تعارضت مفسدتان روعي أشدهما بارتكاب أخفهما وإذا تعارض مصلحتان روعي أعلاهما بتفويت أدناهما، وبيانه أن يقال: إن هذه الشريعة المباركة إما فعل مأمور أو ترك محظور، وفعل المأمور إما على سبيل الوجوب فهذا لا يترك بل لابد من فعله وإما على سبيل الاستحباب، فإذا كان في تطبيق هذا الأمر المستحب شيء من المفاسد فإنه لا يفعل بل المشروع حينئذٍ تركه، والمناسك من حجٍ وعمرة فيها ماهو ركن وواجب ومندوب والكلام الآن على الأشياء المستحبة، فإذا كان في فعل هذا المستحب في المناسك شيء من ما لا ينبغي أو شيء من المفاسد فاتركه فإنك بهذا الترك تؤجر وليس من الفقه تكلف فعله مع وجود هذه المفسدة وهذا يتضح بالأمثلة وهي كثيرة لكن أذكر لك شيئًا منها فأقول: إن من السنّة في الطواف تقبيل الحجر الأسود ولاشك إلا أن التقبيل إذا كان سيؤدي إلى مفسدة أعظم من تحصيل مصلحته فإنه يترك وذلك كأن يكون في تحصيله مزاحمة شديدة وإيذاء للطائفين والاختلاط بالنساء والمدافعة التي قد تؤدي إلى القتل أحيانًا فإنه لا يفعل بل يترك إلى بدله وهو استلامه بشيء مع تقبيل ما استلمته به لحديث الطفيل بن عمرو قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن. رواه مسلم. وإذا كان في هذا الاستلام شيء من المفاسد مما ذكر أو نحوه فإنه يترك أيضًا ويعدل لليد وذلك لأن السنة في المناسك إذا أدى فعلها إلى مفسدة فإن المشروع تركها، فهذه المزاحمة التي نراها على الحجر ليست من الشريعة في شيء، بل إن الحاج إذا ترك التقبيل مراعاة لإيذاء إخوانه وعدم التعرض لهم بشيء من الضرر فإنه مأجور على هذه النية الصالحة وأما المزاحمة والمقاتلة من أجل التقبيل فإنه يؤزر صاحبها ولا يتحقق