ومنها: لبس الخف، فأقول: دل الدليل الشرعي الصحيح على أن المحرم ممنوع من لبس الخف إلا في حالة واحدة وهي إذا لم يجد النعلين، لحديث (( ولا يلبس الخفين إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين ) )وحديث ابن عباس (( من لم يجد نعلين فليلبس الخفين ) )لكن هل يقطعهما أم لا؟ أقول: هذا فيه خلاف، والأقرب عندي حسب الصناعة الأصولية أنه يقطعهما لأن في الحديث: (( وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين ) )وحديث ابن عباس ورد مطلقًا وهو متأخر، وحديث ابن عمر ورد مقيدًا اللبس بالقطع وهو متقدم ومجرد تأخر المطلق عن المقيد لا يضر في بناء المطلق على المقيد كما قلنا ذلك في تأخر العام عن الخاص، وأما أن الخطبة قد حضرها من لم يحضر معهم في المدينة فأقول: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يلزم في كل تشريع أن يبلغه لكل واحدٍ من الصحابة بل يكفي أن يبلغه من يكون في إبلاغهم الكفاية ولو واحد وقد حصل البلاغ التام في المدينة، ولذلك نحن نعلم قطعًا أن المناسك لم يأخذها من حج معه منه - صلى الله عليه وسلم - مباشرة فإن العدد كثير جدًا وقد لا يبلغ الجميع فعله وصوته لكن الأدنون يبلغون من وراءهم وهكذا، وكذلك نقول هنا: أن الصحابة الذين سمعوه في المدينة يأمر بالقطع قد بلغوا من لم يسمع ذلك منه فإنه عادة القوم رضي الله عنهم الحرص التام على نقل ما سمعوه من قول أو رأوه من فعل على وجه الكمال والأمانة، ولأنه قد تقرر أنه إذا أمكن الجمع فلا نسخ وإذا أمكن إعمال الكلام فإنه أولى من إهماله ولأنه الأحوط والله أعلم، والخلاصة أن الأمر بالقطع باقٍ على حاله لم ينسخ والله أعلم.