بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يا مفيض البركات ومنزل الآيات البينات ، افتح عيون بصائرنا لمشاهدة أنوارك ، وارزقنا من موائد كرمك ذوق حلاوة أسرارك ، ووفقنا لشكر آلائك ، والتوفيق له من جملة نعمائك ، واجعلنا ممن تمسك بعرا اليقين ، واعتصم بحبلك المتين ، من كتابك الكريم المنزل نجومًا مشرقة بنور الهدى ، ورجومًا لشياطين الغواية المسترقة لسمع التحدّي في ظلمات الردي ، فقطع علاقتهم عن طريق الحقيقة ، فلم يهتدوا إلى المجاز ، حتى تصغى أسماعهم إلى هيمنة الإعجاز ، فظل كل شاعر في واد يهيم لا يجد شعورًا ، وكل خطيب لسن يرى أسجاعه هباء منثورا ، إلا من لمعت له أنوار ذاته ، من خلف سرادقات صفاته ، قد حل عكاظ الحقائق ، وفاز بمتاع أسرار الدّقائق ، بالوساطة المحمدية لا زالت الملائكة تهدي منا إليه كل حين أنفس صلاة وسلام وتحية ، فإنه جزاه الله عنا خير الجزاء ختمت به الأديان ، وفتحت به أبواب الرحمة وقصور الجنان ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه عرانين الكرم ومصابيح الدجى والظلم ، حماة بيضة الهدى ، وكماة حومة الوغى ، ما لمعت بروق البراهين ، من مطالع اليقين .
( هذا ) وإنّ الله تعالى لما خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ، خط على مهارق البسيطة آيات توحيده معربة بالنبات منقوطة بالزهوره
والأرض طرس والرياض سطوره
والزهر شكل بينها وحروف
وجعل أديم الخضراء المحيط بالستور لأوراقها جلد مذهبًا بالشموس والبدور ، بعدما
خاط دفاتر الرياض بإبر الطل وخيوط الوسمي الفياض ، ثم نشر صحفها على كراسي الروابي ، بأيدي الصبا والقبول حتى درسنها بمكتب الهيولي أطفال الطبائع والعقول ، فردّدها خرير الماء الجاري ، وخطبت بسجعها على منابر القصب فصحاء القماري ، فآذان الزهور لها مصغية ، ورؤوس الجبال مطرقة ، وعيون سيارة الزهر لها حائرة باهتة محدقة ، فلم تهتد لها قلوب ميتة ظلت أجسامها لها قبورا: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } [ الإسراء: 44 ] فسبحان ما أوضح دلائل توحيده ، وما أفصح ألسنة