ج8ص69
والكثير وفيه إشارة إلى وجه أفراده مع تعدد الأوصاف أو هو باعتبار ما ذكر ولذا قيل هو إشارة إلى ما ذكر من نعوتهم الجليلة ، والبعد للإيذان بعلو شأنه وبعد منزلته في الفضل ، وقيل: البعد باعتبار المبدأ ، ولو قيل هذا التوهم أنّ المشار إليه هو الوصف الأخير أعني سيماهم في وجوههم من أثر السجود ، والمراد بالسيما المذكورة نور وبياض في وجوههم يعرفون به يوم القيامة ، وقيل: استنارة وجوههم في الدنيا لكثرة صلاتهم بالليل قيل: مواضع سجودهم يوم القيامة ترى كالقمر ليلة البدر ، وقيل: هو صفة الوجه من سهر الليل وقيل: الخشوع حتى كأنهم مرضى وما هم بمرضى. قوله: ( أو إشارة مبهمة يفسرها كزرع ( الأصل في الإشارة إن تكون لمتقدم وأنما يثار إلى المتأخر إذا كان نعتًا لاسم الإشارة نحو ذلك الكتاب ، وقد مرّ في سورة البقرة في قوله تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } [ سورة الفتح ، الآية: 29 ] أنه قد يشار لما بعده تفخيمًا له وتعظيما لشأنه كما أنّ الضمير يعود على ما بعده كذلك فتأمّل. قوله:( صفتهم العجيبة ) قد مرّ تحقيقه في سورة البقرة ، وقوله: تمثيل الخ فقوله: كزرع خبر مبتدأ مقدر تقديره مثلهم أو هم وهذا بناء على أنّ ذلك إشارة إلى الوصف ، وقوله: أو تفسير بناء على أنّ الإشارة مبهمة ، وقوله: أو مبتدأ معطوف على قوله عطف. قوله: ( فراخه ) بكسر الفاء جمع فرخ كفرع لفظا ومعنى يقال: فرخ الزرع إذا تهيأ للانشقاق ، وأصل الفرخ ما تولد من الحيوان أو الطاثر قال الراغب الشطأة فروع الزرع وهو ما خرج منه ، وتفرع في شاطئه أي جانبه وجمعه أشطاء وقوله: بتخفيف الهمزة أي قلبها ألفًا بعد نقل حركتها لما قبلها ، ويحتمل أن يكون مقصورًا. قوله: ( فقوّاه من الموازرة الخ ) قال أبو حيان: كونه من الموازرة خطأ فإنه لم يسمع في مضارعه توازر بل توزر وهذه شهادة نفي غير مسموعة ، على أنه يجوز أن يكون ورد من بابين واستغنى بأحدهما عن الآخر ومثله كثير مع أنّ السرقسطي نقله عن المازني حيث قال في أفعاله: أزرت الرجل أعنته ، قال أبو عبيدة: الإزر الظهر يقال: آزرني أي كان لي ظهرًا ، وقال ابن الأعرابي: الإزر القوّة يقال منه: أزرني أي قوّاني قال تعالى: { أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي } وقال أبو عثمان: وآزر الشيء غيره ساواه وحاذاه وأنشد لامرئ القيس:
بمحنية قدآزرالضال نبتها ببحرجيوس غانمين وخيب
ومنه قوله تعالى: { أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ } اص. قوله: ( فصار من الدقة الخ ) فهو كاستحجر الطين وهو ينبئ عن التدريج ويحتمل أنه للمبالغة كاستعظم ، وقوله: سؤقه بالهمزة أي بإبدال الواو المضموم ما قبلها همزة كما في قراءة يؤقنون بالهمزة ، وقوله: يعجب الزراع حال أي معجبا لهم وكثافة الزرع كثرة فروعه وأوراقه. قوله: ( وهو مثل ضربه الله الخ ) في الكشاف وهذا مثل ضربه الله لبدء أمر الإسلام وترتيه في الزيادة إلى أن قوي واستحكم لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قام وحده ، ثم قوّاه الله بمن آمن معه كما يقوّي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتف بها مما يتولد منها ، وهذا ما قاله البغويّ من أنّ الزرع محمد صلى الله عليه وسلم أصحابه والمؤمنون فجعلا التمثيل للنبيّ صلى الله عليه وسلم وأمته والمصنف رحمه الله جعله للصحابة فقط ولكل وجهة ، وعن بعض الصحابة إنه لما قرأ هذه الآية قال: تمّ الزرع وقد دنا حصاده. قوله تعالى: ( { لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ } ) قال في المواهب: إنّ الإمام مالكا رحمه اللّه استنبط من هذه الآية تكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة فإنهم يغيظونهم ومن غاظ الصحابة فهو كافر ووافقه كثير من العلماء ا هـ ، وهو كلام حسن جدًّا. قوله: ( علة لتشبيههم بالزرع ) أي لاتخاذه تعالى لهم على وجه يشبه الزرع في القوّة والنماء ، وليس المراد به التمثيل فإنه ركيك فتدبر. قوله تعالى: ( { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم } ) أخر منهم هنا عن قوله: عملوا الصالحات ، وقدم عليه في آخر سورة النور لما مرّ من أنّ عمل الصالحات لا ينفك عنهم ، وهو ثمة لبيان الخلفاء والعمل الصالح ليس بلازم لهم حتى لا ينعزلوا بالفسق وأرجع البغوي ضمير منهم للشطء باعتبار المعنى ولا يخفى بعده ، ويجعل من بيانية سقط حجة من طعن به على الصحابة وجعلها تبعيضية ، وقوله: من قرأ سورة الفتح الخ حديث موضوع وأمره مشهور تمت السورة بحمد الله ومنه.