الصفحة 50 من 81

وسأل رجل حذيفة -رضي الله عنه- فقال: «أستأذن على أمي؟ فقال: إن لم تستأذن عليها رأيت ما تكره» [1] .

فيشرع الاستئذان على الأم -وإن كانا في بيت واحد- حتى لو كان الولد يخدمها، ويتردد عليها، لهذه العلة المذكورة -وهي خشية انكشاف العورة-، ولما جاء أن رجلًا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «أستأذن على أمي؟ قال: نعم، قال: إني أخدمها، قال: استأذن عليها. فعاوده ثلاثًا، قال: أتحب أن تراها عريانة؟ قال: لا، قال: فاستأذن عليها» [2] . وجاء عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: «عليكم الإذن على أمهاتكم وأخواتكم» [3] ، وجاء عن موسى بن طلحة قال: «دخلتُ مع أبي على أمي، فدخل فأتبعته فالتفتُّ، فدفع في صدري وقال: أتدخل بغير إذن؟!» [4] ، فعاتب طلحة ابنه على دخوله بغير إذن.

وقال عطاء: «سألت ابن عباس: أستأذن على أختي؟ قال: نعم. قلت: إنها في حجري؟ [5] قال: أتحب أن تراها عريانة؟» .

وذكر الحافظ ابن حَجَر -رحمه الله- أن طرق هذه الآثار المتقدمة كلها صحيحة [6] .

وورد عن جابر -رضي الله عنه- أنه قال: «يستأذن الرجل على ولده وأمه -وإن كانت عجوزًا- وأخيه وأخته وأبيه» [7] .

وهذه الآثار تفيد أن الاستئذان مطلوب عمومًا، حتى على المحارم، فيلزم الرجل الاستئذان على أمه وأخته وبنيه وبناته البالغين، لأنه إن دخل على أحد منهم بغير استئذان فقد تقع عينه على عوراتهم، وذلك لا يحل [8] ، لكن يُستثنى من ذلك كله الاستئذان على الزوجة إذا لم يكن في البيت إلا الزوج وزوجته؛ لأن الله سبحانه يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} [النور: 27] . فظاهر الآية يدل على جواز ترك الاستئذان في هذه الحالة، ولأنه لا حشمة بين الرجل وزوجته، ويجوز بينهما من الأحوال والملابسات ما لا يجوز لأحد غيرهما، ويدل على ذلك ما ورد في الأثر المتقدم عن موسى بن طلحة، فإنه حينما دخل مع أبيه على أمه زجره

(1) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب يستأذن على أمه (2/ 500 بشرحه فضل الله الصمد) والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب النكاح، باب استئذان المملوك والطفل في العورات الثلاث (7/ 97) .

(2) أخرجه مالك في الموطأ مرسلًا في كتاب الاستئذان، باب الاستئذان (2/ 963) وقال ابن عبد البر: مرسل صحيح، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى، باب استئذان المملوك والطفل في العورات الثلاث (7/ 97) ، وأورده الطبري في تفسيره (10/ 112) والقرطبي (12/ 219) .

(3) أخرجه البيهقي في المصدر السابق، وهو في تفسير ابن مسعود (467) وتفسير الطبري (18/ 112) .

(4) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب يستأذن على أبيه (2/ 501 بشرحه فضل الله الصمد) .

(5) أي في حضانتي وكفالتي.

(6) فتح الباري (11/ 27) .

(7) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب يستأذن على أبيه وولده (2/ 501 بشرحه فضل الله الصمد) .

(8) أضواء البيان (6/ 178) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت