المبحث الأول
لقد اتفق العلماء على أن الاستئذان بنوعيه -العام والخاص- أدبٌ إسلامي كريم، له أهمية خاصة، ودورٌ متميز في صيانة حرمات البيوت.
ويدل على ذلك أن الله -سبحانه وتعالى- صدَّر آيات الاستئذان بالنداء بوصف الإيمان، وهذا يعني أن الاستئذان من مقتضيات الإيمان.
قال النووي -رحمه الله-: أجمع العلماء على أن الاستئذان مشروعٌ، وتظافرت به دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة. اهـ [1] .
وأما حكم الاستئذان بنوعيه فقد ذكر بعض العلماء فيه خلافًا، حيث زعم بعضهم أن الاستئذان مستحب [2] ولكن الذي يظهر من الأدلة أنه واجب بنوعيه، أي: العام والخاص.
قال ابن مفلح -رحمه الله-: «ولا وجه لحكاية الخلاف، فيجب في الجملة على غير زوجه وأمه» . اهـ [3] .
وأما الأدلة على وجوب الاستئذان فكثيرة نذكر منها:
أولًا: أدلة وجوب الاستئذان العام:
1 -قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَانِسُوا} [النور: 27] ؛ حيث إن {لَا} ناهية ونهى عن ذلك لما فيه من التصرف في ملك الغير بغير إذنه، فإن شاء أذن وإن شاء لم يأذن [4] . فظاهر الآية يدل على تحريم دخول بيوت الغير بغير إذن؛ لأن النهي المتجرّد عن القرائن يفيد التحريم على الأصح [5] .
2 -قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ} [النور: 29] . فهذا ترخيصٌ من الله للدخول في البيوت غير المسكونة التي فيها متاع الناس، فلما جاءت الرخصة في حالة انتفاء السكن الذي هو علة الوجوب بنص الآية- دلَّ على أن وجود هذه العلة -وهي السكن- يوجب الاستئذان، وإلا أشبه الغصب [6] .
3 -قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} [النور: 29] .
والمعنى: أن الله يعلم ما تظهرون وما تخفون، وهذا فيه وعيدٌ لمن لم يتأدب بآداب الله، في دخول بيوت الغير، ولا يكون الوعيد إلا على ترك واجب [7] .
(1) المنهاج في شرح مسلم (14/ 130) .
(2) والمستحب هو الاستئذان الخاص عند الجمهور رفعًا للمشقة.
(3) الآداب الشرعية والمنح المرعية (1/ 393) .
(4) تفسير القرآن العظيم (3/ 281) .
(5) أضواء البيان (6/ 169) .
(6) التفسير الكبير للرازي (23/ 198) .
(7) فتح القدير للشوكاني (4/ 20) .