وكذلك من عدم السمع؛ فإنه يفقد روح المخاطبة والمحاورة، وبعدم لذة المذاكرة ونعمة الأصوات الشجية، وتعظم المؤنة على الناس في خطابه، ويتبرمون به، ولا يسمع شيئا من أخبار الناس وأحاديثهم؛ فهو بينهم شاهد كغائب وحي كميت وقريب كبعيد.
وقد اختلف النظار في أيهما أقرب إلى الكمال وأقل اختلالا لأموره الضرير أو الأطرش، وذكروا في ذلك وجوها، وهذا مبني على أصل آخر، وهو: أي الصفتين أكمل صفة السمع أوصفة البصر؟ فأي الصفتين كانت أكمل؛ فالضرر بعدمها أقوى.
والذي يليق بهذا الموضع أن يقال: عادم البصر أشدهما ضررا وأسلمهما دينا وأحمدهما عاقبة، وعادم السمع أقلهما ضررا في دنياه وأجهلهما بدينه وأسوأ عاقبة؛ فإنه إذا عدم السمع؛ عدمت المواعظ والنصائح، وانسدت عليه أبواب العلوم النافعة، وانفتحت له طرق الشهوات التي يدركها البصير، ولا يناله من العلم ما يكفه عنها؛ فضرره في دينه أكثر، وضرر الأعمى في دنياه أكثر، لهذا لم يكن في الصحابة أطرش، وكان فيهم جماعة أضراء، وقل أن يبتلي الله أولياءه بالطرش، ويبتلي كثيرا منهم بالعمى.
فهذا فصل الخطاب في هذه المسألة؛ فمضرة الطرش في الدين، ومضرة العمى في الدنيا، والمعافى من عافاه الله منهما، ومتعه بسمعه وبصره، وجعلهما الوارثين منه.
من كتاب
مفتاح دار السعادة