الصفحة 39 من 63

أيهما أفضل: السمع أم البصر؟

اختلف ابن قتيبة وابن الأنباري في السمع والبصر أيهما أفضل؟

ففضل ابن قتيبة السمع ووافقه طائفة، واحتج بقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ} [1] .

قال: فلما قرن بذهاب السمع ذهاب العقل، ولم يقرن بذهاب النظر إلى ذهاب البصر؛ كان دليلا على أن السمع أفضل.

قال ابن الأنباري: هذا غلط، وكيف يكون السمع أفضل؛ وبالبصر يكون الإقبال والإدبار، والقرب إلى النجاة والبعد من الهلاك، وبه جمال الوجه وبذهابه شينه، وفي الحديث: «من ذهبت كريمتيه فصبر واحتسب؛ لم أرض له ثوابا دون الجنة» [2] ؟!

وأجاب عما ذكره ابن قتيبة بأن الذي نفاه الله تعالى مع السمع بمنزلة الذي نفاه عن البصر؛ إذ كأنه أراد إبصار القلوب ولم يرد إبصار العيون، والذي يبصره القلب هو الذي يعقله؛ لأنها نزلت في قوم من اليهود كانوا يستمعون كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيقفون على صحته، ثم يكذبونه، فأنزل الله فيهم: {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ} ؛ أي: المعرضين، {وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ} : بعين نقص، {أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ} ؛ أي المعرضين، {وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ} .

قال: ولا حجة في تقديم السمع على البصر هنا؛ أخبر في قوله

(1) يونس:42 - 43.

(2) رواه الترمذي (2403) ، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت