الصفحة 33 من 63

تأمل حال من عدم البصر وما يناله من الخلل في أموره؛ فإنه لا يعرف موضع قدمه، ولا يبصر ما بين يديه، ولا يفرق بين الألوان والمناظر الحسنة من القبيحة، ولا يتمكن من استفادة علم من كتاب يقرؤه، ولا يتهيأ له الاعتبار والنظر في عجائب ملك الله، هذا مع أنه لا يشعر بكثير من مصالحه ومضاره؛ فلا يشعر بحفرة يهوي فيها، ولا بحيوان يقصده كالسبع فيتحرز له، ولا بعدو يهوي نحوه ليقتله، ولا يتمكن من الهرب إن طلب، بل هو ملقي السلم لمن رامه بأذى، ولولا حفظ خاص من الله له قريب من حفظ الوليد وكلائته؛ لكان عطبه أقرب من سلامته؛ فإنه بمنزله لحم على وضم، ولذلك جعل الله ثوابه إذا صبر واحتسب الجنة [1] .

ومن كمال لطفه أن عكس نور بصره إلى بصيرته؛ فهو أقوى الناس بصيرة وحدسا، وجمع عليه همه؛ فقلبه مجموع عليه، غير مشتت؛ ليهنأ له العيش، وتتم مصلحته، ولا يظن أنه مغموم حزين متأسف.

هذا حكم من ولد أعمى؛ فأما من أصيب بعينيه بعد البصر؛ فهو بمنزلة سائر أهل البلاء المنتقلين من العافية إلى البلية؛ فالمحنة عليه شديدة؛ لأنه قد حيل بينه وبين ما ألفه من المرائي والصور ووجوه الانتفاع ببصره؛ فهذا له حكم آخر.

(1) من ذلك قول الرسول - صلى الله عليه وسلم: «إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه، فصبر؛ عوضته منهما الجنة» . رواه البخاري (5653) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت