وبالسمع تنال سعادة الدنيا والآخرة؛ فإن السعادة بأجمعها في طاعة الرسل والإيمان بما جاؤوا به، وهذا إنما يُدرك بالسمع، ولهذا في الحديث الذي رواه أحمد وغيره من حديث الأسود بن سريع: «ثلاثة كلهم يدلي على الله بحجته يوم القيامة ... (فذكر منهم رجلا أصم) يقول: يا رب! لقد جاء الإسلام وأنا لا أسمع شيئا ... » .
واحتجوا بأن العلوم الحاصلة من السمع أضعاف العلوم الحاصلة من البصر؛ فإن البصر لا يدرك إلا بعض الموجودات المشاهدة بالبصر القريبة، والسمع يدرك الموجودات والمعدومات، والحاضر والغائب، والقريب والبعيد، والواجب والممكن والممتنع؛ فلا نسبة لإدراك البصر إلى إدراكه.
واحتجوا بأن فقد السمع يوجب ثلم القلب واللسان، ولهذا كان الأطرش خلقه لا ينطق في الغالب، وأما فقد البصر؛ فربما كان معينا على قوة إدراك البصيرة وشدة ذكائها؛ فإن نور البصر ينعكس إلى البصيرة باطنا فيقوى إدراكها ويعظم، ولهذا تجد كثيرا من العميان أو أكثرهم عندهم من الذكاء الوقاد والفطنة وضياء الحس الباطن مالا تكاد تجده عند البصير.
ولا ريب أن سفر البصر في الجهات والأقطار ومباشرته للمبصرات على اختلافها يوجب تفرق القلب وتشتيته، ولهذا كان الليل أجمع للقلب، والخلوة أعون على إصابة الفكرة.
قالوا: فليس نقص فاقد السمع كنقص فاقد البصر، ولهذا كثير في العلماء والفضلاء وأئمة الإسلام من هو أعمى، ولم يعرف فيهم واحد