لِي وَلَا تَكْفُرُونِ [1] .
وقال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [2] .
أمره عظيم وجليل، والكذب فيها من أعظم الكبائر وأخطرها بل السكوت عنها مع العلم بها إثم ومعصية. يقول الله تعالى: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [3] .
هذا تصريح من الله تعالى في أن الكاتم للشهادة آثم قلبه. فكيف إذا كان الإنسان يكذب بالشهادة، ويقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أبو بكرة - رضي الله عنه: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر» ثلاثًا. قلنا: بلى، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وكان متكئًا فجلس، وقال: وقول الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت» [4] .
الأيمان جمع يمين، واليمين: القسم والحلف، والكذب في القسم أمره عظيم؛ لأن الكاذب في هذه الحالة تحمل وزر الكذب ووزر الخديعة حيث صدقه الناس بقسمه وجعل الله عرضة لأيمانه الكاذبة. ولقد شرع الإسلام لمن أقسم على أن يعمل شيئًا ولم يتمكن منه، أن يكفر عن يمينه، أما إذا أقسم على شيء وكذب في قسمه، وكانت نتيجة القسم إبطال حق أو إحقاق باطل وضياع حق، فهذا لا كفارة له.
قال بعض العلماء: (ليس له إلا التوبة وإعادة الحق لأصحابه) [5] .
روى الإمام أحمد عن أبي هريرة - رضي الله عنه: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «خمس ليس لهن كفارة، الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبعث المتوفي، والفرار من يوم الزحف ويمين صابرة يُقتطع بها مال بغير حق» [6] واليمين الصابرة، هي اليمين التي ألزم صاحبها وحبس من أجلها، فوصفت بالصبر وأضيفت إليه مجازا.
وقيل: اليمين الصابرة هي اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في النار، والعياذ بالله تعالى، ذلك لأن صاحبها اقتطع بها مالا بغير حق، أما الكفارة فقد وضحتها الآية التالية.
قال تعالى: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ
(1) سورة البقرة: الآيتان 151، 152.
(2) سورة آل عمران: الآية 164.
(3) سورة البقرة: الآية 283.
(4) أخرجه البخاري.
(5) ينظر «أخلاق المسلم وكيف نربي أبناءنا عليها» : (ص 67) .
(6) أخرجه أحمد في المسند.