الصفحة 33 من 44

وسرد الصفات الفاضلة على هذا الترتيب، يدلك على ما لصدق الوعد من مكانة، ولقد كان إسماعيل أصدق الناس وعدا حين قال لأبيه: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [1] . لما قال أبوه: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} [2] فإذا كان الوفاء بالوعد يجعله صادقًا فإخلافه كاذبا لا محالة.

والخلاصة أن الوعد، هو: إخبار عما ستفعله في المستقبل من إحسان. وللعلماء في لزوم الوفاء بالوعد ثلاثة أقوال، ملخصها:

1 -أن من وعد شخصا بإحسان وجب عليه إنجاز ما وعد وقضي عليه بأدائه. وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - ورجحه أبو بكر بن العربي.

2 -أن الوفاء بالوعد من مكارم الأخلاق، ولصاحبه الرجوع عنه.

3 -أن الوعد المطلق غير لازم أما المقيد بسبب فإنه يلزم كالدين. وهو مذهب لفقهاء المالكية.

وأما الوعيد فهو: إخبار عما ستفعله من شر، وإخلافه يعد كإخلاف الوعد من جهة أنه كذب .. ولكن الكذب في هذه الحالة يتلاشى أمام فضيلة العفو، ولذا عد إخلاف الوعيد ممدحة، كما قال الشاعر:

وإني إن أوعدته أو وعدته ... لأخلف إيعادي وأنجز موعدي

يقول الله عز وجل واصفًا نفسه: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [3] . ويقول: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [4] .

وقد فسر المفسرون الآية بأنه لا أحد أصدق من الله عز وجل في حديثه وخبره ووعده [5] .

فكل ما قيل في العلوم والأعمال مما يناقض ما أخبر به فهو باطل لمناقضته للخبر الصادق اليقين، فلا يمكن أن يكون حقا [6] ، وهذا الاستفهام إنكاري يدل على أنه ليس هناك من أصدق من الله عز وجل.

وقد أمر الله سبحانه أهل الإيمان أن يكونوا مع الصادقين، وخصص المنعم عليهم بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فقال: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [7] ، وقال: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [8] ، فهم أهل الرفيق الأعلى، {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} ، ولا يزال الله يمدهم بنعمه وألطافه، ويزيد إحسانا منه وتوفيقا، ولهم مزية المعية مع الله، فإن

(1) سورة الصافات: الآية 102.

(2) سورة الصافات: الآية 102.

(3) سورة النساء: الآية 122.

(4) سورة النساء: الآية 87.

(5) انظر «تفسير ابن كثير» (1/ 457) .

(6) «تيسير الكريم الرحمن» : (1/ 119) .

(7) سورة التوبة: الآية 119.

(8) سورة النساء: الآية 69.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت