النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث عن ربه تعالى: «وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه» . وهؤلاء المقتصدون - كما يقول ابن قيم الجوزية:
قطعوا مراحل سفرهم بالاهتمام بإقامة أمر الله وعقد القلب على ترك مخالفته ومعاصيه؛ فهممهم مصروفة إلى القيام بالأعمال الصالحة واجتناب الأعمال القبيحة؛ فأول ما يستيقظ أحدهم من منامه يسبق إلى قلبه القيام إلى الوضوء والصلاة كما أمره الله؛ فإذا أدى فرض وقته اشتغل بالتلاوة والأذكار إلى حين تطلع الشمس؛ فيركع الضحى، ثم يذهب إلى ما أقامه الله فيه من الأسباب؛ فإذا حضر فرض الظهر بادر إلى التطهر والسعي إلى الصف الأول من المسجد فأدى فريضته كما أمُر مكملًا لها بشرائطها وأركانها وسننها وحقائقها الباطنة من الخشوع والمراقبة والحضور بين يدي الرب؛ فينصرف من الصلاة وقد أثرت في قلبه وبدنه وسائر أحواله آثارًا تبدو على صفحاته ولسانه وجوارحه، ويجد ثمرتها في قلبه من الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور وقلة التكالب والحرص على الدنيا وعاجلها، قد نهته صلاته عن الفحشاء والمنكر، وحببت إليه لقاء ربه ونفرته من كل قاطع يقطعه عن الله؛ فهو مهموم كأنه في سجن حتى تحضر الصلاة، فإذا حضرت قام إلى نعيمه وسروره وقرة عينه وحياة قلبه؛ فهو لا تطيب له الحياة إلا بالصلاة؛ هذا وهم في ذلك كله مراعون لحفظ السنن، لا يخلُّون منها بشيء ما أمكنهم؛ فيقصدون من الوضوء أكمله، ومن الوقت أوله، ومن الصفوف أولها عن يمين الإمام أو خلف ظهره، ويأتون بعد الفريضة بالأذكار المشروعة كالاستغفار ثلاثًا