فمراعاته للمطالب التي ابتلاه الله بها وإتمامه لها خوله لمنصب الإمامة.
-فمن الصفات التي خولته لمنصب الإمامة أنه كان قانتًا لله حنيفًا ولم يك من المشركين؛ قال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} .
أمة: هنا بمعنى إمام يعلم الناس التوحيد والخير، وقد وردت أمة بمعنى: الملة كما في [الزخرف 23] ، وبمعنى الزمن: كما في [يوسف 45] وبمعنى: الطائفة كما في [النحل 36] ، وهذه هي معانيها الأربعة الواردة في القرآن.
والقنوت لله: الطاعة، والقانت: الخاشع المطيع.
والحنيف: هو المائل أو المنحرف قصدًا عن الشرك وأهله المحقق للتوحيد، وأكد ذلك بقوله: {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} .
-ومن هذه الصفات التي ذكرها الله في نفس السياق واجتباه من أجلها أي اصطفاه: أنه كان {شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .
شاكرًا لأنعمه: جمع النعمة هنا جمع قلة (أَنْعُم) ، بينما جمعها في سورة [لقمان آية 20] جمع كثرة (نِعَمَه) ؛ وذلك لأن السياق في سورة لقمان والمقام مقام تعداد نعم الله وفضله على الناس فذكرها بجمع الكثرة: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} ، وأما السياق في ذكر إبراهيم ففي مقام ذكر صفاته التي خولته ليجتبيه الله بها ويجعله إمامًا للناس ومنها شكر أنعم لله، ولما كان الإنسان لا يقدر على شكر نعم الله الكثيرة عليه ولا يطيق توفيتها شكرها، ولكنه قد يشكر بعضها مهما كان عابدًا قانتًا كإبراهيم؛ لذلك ذكرها سبحانه في هذا السياق بصيغة التقليل، فحين كان السياق في تعداد نعم الله على الخلق كثَّرها، ولما كانت النعمة المذكورة هنا هي المشكورة قلَّلها، وتأمل كيف أن هذا الشكر الخالص من هذا النبي الكريم الذي اجتباه الله واصطفاه وصيَّره أمة بسببه لا يوفي نعم الله كلها بل بالكاد يوفي بعض نعمه، ومع ذلك فإن الله أكرمه هذه الكرامة العظيمة فجعله إمامًا للناس، فالكريم يعطي الكثير على القليل، وشكر إبراهيم العملي والقولي كثير بالنسبة للعباد قليل في جنب نِعَم المعبود.
-ومن أعظم ما ابتُلي ابراهيم به من المطالب فصبر عليه وبادر إليه؛ ما وصفه الله تعالى بقوله: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ} ، والمقصود قوله تعالى: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ