مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.
فقد رزقه الله الغلام على الكِبَر، وابتلاه بهذا البلاء العظيم في أشد أوقات حاجته إليه {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} ؛ أي بلغ مبلغ أن يعينه ويسعى معه، عندها جاءه الأمر بذبحه في المنام.
والمنام أدنى طرق الوحي كما هو معلوم ومع ذلك سارع الخليل إلى تلبية طلب أدنى طرق الوحي لأمر جلل عظيم وهو ذبح ابنه بوحي منام، وكم من الناس يتلون ويسمعون الآيات المحكمات القطعيات المتواترات تأمرهم وتنهاهم فيترددون في الاستجابة ويتلكَّؤون، ثم يتطلّعون للإمامة ويتشوَّفون لها ودون ذلك خرط القتاد.
-وقد قال تعالى عن إبراهيم: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} ، فمسارعته للتسليم لأمر الله واستجابته له أهَّلته لإمامة الناس.
وفي الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (اختتن إبراهيم -عليه السلام- وهو ابن ثمانين سنة بالقَدُّوم) .
تأمل؛ أُمر بالختان في هذه السن ابن ثمانين سنة فبادر لتنفيذ الأمر. وقد اختُلف بمعنى (القدوم) فقيل هو اسم مكان، والراجح أنه اسم آلة الحطّاب أو النجار، فقد روى أبو يعلى من طريق علي بن رباح قال:"أُمر إبراهيم بالختان، فاختتن بقدوم فاشتدَّ عليه، فأوحى الله إليه أن عجلت قبل أن نأمرك بآلته، فقال: يا رب كرهت أن أؤخِّر أمرك".
فمبادرته للختان في هذه السن ومسارعته لفعله بالآلة المذكورة حتى لا يؤخِّر أمرًا لله تُعرّفك ببعض الأوصاف التي خولته لمنصب الإمامة.
وأما قول إبراهيم لابنه: {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} فليس تأخيرًا أو مشورة في تنفيذ أمر الله فهو مستسلم منفّذ للأمر لا محالة، ولكنه بحكمته وعلمه أراد أن يُشرك ابنه في هذا الشرف العظيم اختيارًا واستسلامًا، ولذلك قال تعالى عنهما: {فَلَمَّا أَسْلَمَا} فأشركهما في هذه الكرامة والاستسلام لله في هذا البلاء العظيم، وهذا بخلاف قصتهما في كتب اليهود والنصارى المحرفة اليوم حيث تحكي أن إبراهيم أخفى على ابنه الأمر وأوهمه بأنه سيذبح قربانًا ولم يُعلمه أن القربان هو وأنه ربطه حتى تمكن منه!!