فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 57

وأيضا في التخلية نفسها هناك مقدم آخر؛ هو البراءة من المشركين العابدين لغير الله فتقدم على البراءة من الشرك نفسه والمعبودات التي تُعبد من دون الله، وذلك لأن كثيرًا من الناس لا يمانعون من البراءة من الشرك بل ويسهل تلقيهم البراءة من المعبودات الباطلة سواء كانت أصنامًا أو أوثانًا أو مناهج مناقضة لشرع الله أو تشريعات لم يأذن بها الله، لكن الصعوبة والخطورة في قبولهم وتحقيقهم للبراءة من عابديها أو أربابها ومشرعيها، فكم من إنسان يبرأ من الشرك ولا يبرأ من أهله، بل هو لهم ولي حميم ونصير مبين، ولذلك جاءت البراءة من الأقوام العابدين لغير الله مقدمة على البراءة من معبوداتهم الباطلة في آيات ملة إبراهيم هذه {إِنَّا بُرَأَىَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} .

وقد تكرر هذا التقديم في مواضع أخرى من كتاب الله لتأكيد هذا المعنى وتقريره، إذ التكرير يفيد التقرير، كنحو قوله تعالى عن إبراهيم أيضًا: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي} فقدم اعتزالهم على اعتزال أوثانهم.

وكذلك في قوله تعالى: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} .

وكذلك في قوله تعالى عن أهل الكهف: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} فقدَّم اعتزالهم على اعتزال معبوداتهم.

وقوله تعالى: {أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} ، فقدّم توجيه الأفّ لهم، على توجيهه إلى معبوداتهم الباطلة لأنه أهم.

ثم أكد هذا المعنى لأهميته وتفريط كثير من الخلق فيه فقال: {كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} ، وتأمل قوله: {وَبَدَا} أي ظهر وبان، فمن أراد التأسي بملة إبراهيم وطريقته في الدعوة إلى الله وموقفه من الشرك وأهله؛ فليُظهر بغضاءه لأعداء الله الذين يحاربون دينه ويعادون شرعه وتوحيده ويبغضون حدوده ..

والعداوة: أن تكون أنت في عُدْوَة وعدوُّك في عُدْوة أخرى، وقدّمها على البغضاء لأنها أظهر، وعندما تُبدا وتُعلن؛ فإنها تستلزم المنازعة والمفارقة والمحاربة، وأما البغضاء فقد تكون بالقلب وقد تكون باللسان والجوارح كل بحسبه.

فأدنى درجات التوحيد التي لا يسلم المرء إلا بها وجود العداوة والبغضاء للشرك وأهله في القلب، وأعلاها وأكملها وذروة سنامها الصدع بها وإبداؤها والتأسي فيها بإبراهيم ومن معه من النبيين ومن على طريقته من الدعاة والمصلحين.

إذًا فالمطلوب لتحقيق هذه الملة العظيمة أمران:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت