رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ. وفي صحيح مسلم في دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: (والخير بيديك والشر ليس إليك) ، هذا رغم أن الكل قد خَلَقَهُ الله، ولكن أدَّبنا الأنبياء أن لا ننسب الشر إلى الله.
10 -وفي القصة أن الولد يُحفظ بصلاح الوالد من بعده؛ {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} ، ومثله قوله تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} .
11 -قول الخضر: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} فيه أنه لا يجوز العدوان على أنفس الناس ودمائهم وأموالهم إلا بنص قطعي من الوحي، فهذه الآية تحكم ببطلان جميع القوانين الوضعية وجميع استحسانات من يُجيز شيئًا من العدوان بمجرد فكره وهواه، قال الشنقيطي:"أي: وإنما فعلته عن أمر الله -جل وعلا-، وأمر الله إنما يتحقق بطريق الوحي، إذ لا طريق تعرف بها أوامر الله ونواهيه إلا الوحي من الله -جل وعلا-، ولا سيما قتل الأنفس البريئة في ظاهر الأمر، وتعييب سفن الناس بخرقها؛ لأن العدوان على أنفس الناس وأموالهم لا يصح إلا عن طريق الوحي من الله تعالى، وقد حصر تعالى طرق الإنذار في الوحي في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ} [الأنبياء/45] ، و (إنما) صيغة حصر". (أضواء البيان) [4/ 172، 173] .
12 -في القصة إثبات قاعدة: (احتمال الفساد الأدنى لدفع الفساد الأعلى) ؛ فإن الخضر عمل بذلك حين نزع لوحًا من السفينة ليعيبها حفاظًا عليها كلها من مصادرة الملك الظالم، وقتل الغلام الذي طُبع كافرًا صيانة لدين والديه أن يكفرًا بسببه.
13 -وفيها التنبيه على فقه المآلات والنظر في العواقب ونتائج الأعمال وتقدير فائدتها وثمرتها قبل الإقدام عليها؛ فذلك من الحكمة التي من أوتيها فقد أوتي خيرًا كثيرًا، ومن أهملها فقد ضيَّع كثيرًا من الخير؛ فهذا الذي فعله الخضر وإن كان ظاهره الفساد إلا أن حقيقته عند النظر في مآلاته إصلاح وإحسان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"فإنَّ خرق السفينة ثم ترقيعها لمصلحة أهلها خوفًا من الظالم أن يأخذها إحسان إليهم وذلك جائز"اهـ.