فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 528

المبحث الأول: التأويل في مجال العقيدة

مجال التجديد في العقيدة:

حين قلت في بداية البحث إنني لن أتطرق إلى التأويل المعاصر في مجال العقيدة فقد انصرف ذهني إلى صفات الله عز وجل، وأسمائه وأفعاله، والتي خاض فيها المتكلمون الأولون وأكثروا، حتى أنهم لم يدعوا قولا لقائل يأتي بعدهم ويزيد في هذا المضمار.

أضف إلى ذلك أن الكلام والبحث في صفات الله عز وجل وأسمائه وأفعاله قد كفانا الله شره في هذه الأزمنة ولم يعد يشكل محورا للفكر الإسلامي المعاصر، أعني لم يعد هو محور السجالات والمطارحات الفكرية بين العلماء والمفكرين.

ولكن جريا على سنة الله -تعالى- أن يكون لكل زمان قضاياه وإشكالياته الفكرية والاجتماعية، فقد نبتت نابتة في هذا الزمان أخذت على عاتقها إعادة قراءة وتفسير النصوص الشرعية من القرآن والسنة حسب ما تمليه عليها عقولها وأهواؤها، دون تقيد بالضوابط والقيود والشروط التي اجتمعت عليها الأمة وعلماؤها، وارتضوها خلفا بعد سلف، بل تفلتوا حتى من عقال اللغة ودلالاتها ومنطقها الذي تواتر عن العرب قبل الإسلام. مما يجعل الباحث حائرا بل ساخرا من الاجتهادات والتأويلات الفجة التي خرج بها هؤلاء القوم.

"إن من أخطر القضايا التي تطرح نفسها على الدعاة والمفكرين المسلمين بحق هذه الأيام هي محاولة خصوم الفكر الإسلامي التشكيك في المسلمات، وبذل الجهد في تحويل (اليقينيات) إلى (ظنيات) و (القطعيات) إلى (محتملات) قابلة للأخذ والرد والجذب والشد، والقيل والقال."

وحسبهم الوصول إلى هذه النتيجة (زحزحة الثوابت) أو مناطحتها بغية (تذويبها) حتى لا تقف سدا منيعا أمام الذين يريدون أن يهدموا حصون الأمة أو على الأقل: يخترقوا أسوارها" (1) ."

هذا وإن الانحراف في فهم العقيدة يعد أكثر خطرا من غيره، ولقد كان هذا الانحراف أساس كل الانحرافات الفكرية التي تلت في حياة المسلمين. ولا أكون مبالغا إذا قلت إن ما يعانيه المسلمون من ضعف عام في كل جوانب الحياة إنما يرجع إلى سوء فهم للعقيدة.

ولقد حذرنا الله تبارك وتعالى من الاختلاف في أصل الدين لأنه يقود صاحبه إلى الكفر الصريح {…… وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ (*) مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}

(1) د. يوسف القرضاوي: موقف الإسلام العقدي من كفر اليهود والنصارى ص 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت