( مفهوم الربا وحكمه)
جريا على عادتهم في تأويل النصوص والأحكام الشرعية التي تتعارض وتوجهات الحضارة الغربية والفكر الغربي، قام بعض المحدثين، وبعض المعاصرين بتأويل النصوص الخاصة القاضية بتحريم الربا بكل ألوانه وأشكاله.
وحوى هذا التيار كالعادة كتابا وقانونيين من غير أهل الاختصاص الشرعي، كما إنزلق إليه بعض أهل العلم المحدثين والمعاصرين، ومازالت السلسلة تتلاحق دون انتهاء.
وتراوحت هذه التأويلات بين القول أن الله حرم الربا، لأنه كان ظلما واستغلالا، أما وقد صار إسعافا للفقير والمحتاج ورفعا لخلته، فقد انقلب إلى حلال، بل أصبح ضرورة. وبين قائل أن الربا المحرم هو ما كان الاقتراض فيه للاستهلاك أما إذا كان للاستثمار والتنمية فلا بأس.
إلا أن المحور الذي تركزت عليه تلك التأويلات هو اشتراط كون الربا أضعافا مضاعفة حتى يكون حراما، أي ما يسمى بالفائدة المركبة بلغة العصر، أما إذا كانت نسبة الربا قليلة _ وفق المعقول _ فلا حرج في ذلك، ولا يسمى ذلك ربا بل هو خدمات للديون وأجرة استخدام لرأس المال. مستدلين على ذلك بقوله تعالى:
{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } ( آل عمران /130) .
ومن أبرز الذين نادوا بإباحة الربا القليل من المُحْدَثين الشيخ محمد عبده وتلميذه الشيخ محمد رضا، وكل من قال به بعدهم إنما نسج على منوالهم ورفع نفس حججهم وسار على خطاهم ومنهم القانوني المعروف د. عبد الرازق السنهوري، ومن المعاصرين الشيخ يوسف القرضاوي ومن غير أهل الاختصاص: روجيه جارودي ومحمد شحرور وغيرهم.
وإليك مقتطفات مما قالوه في هذا:
أولًا: الشيخ محمد رشيد رضا
وعنده أن الربا المحرم بدليل قطعي هو ربا الجاهلية، وهو ربا الأضعاف المضاعفة الذي جاء النهي عنه صريحا في قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة } ، وصورته كما ذكرها الطبري.
"وكان أكلهم ذلك في جاهليتهم أن الرجل منهم كان يكون له على الرجل مال إلى أجل مسمى، فإذا حلَّ الأجل طلبه من صاحبه، فيقول الذي عليه المال: أخّر عني دينك، وأزيدك على مالك، فيفعلان ذلك، فذلك هو الربا أضعافا مضاعفة (1) ."
(1) جامع البيان 4/90.