تكمن أهمية البحث في انه يعالج أهم قضية في تاريخ الفكر الإسلامي قديما وحديثا، ألا وهي العلاقة بين العقل والنقل، ودور العقل في فهم النص الشرعي، وهي القضية التي لا تزال مطروحة للسجال والمناقشة منذ صدر الإسلام إلى يومنا هذا.
ويمثل التأويل أخطر وأهم السبل في التعاطي مع النص الشرعي، إذ ضل بسبب الإفراط فيه خلق كثير وفرق يصعب حصرها. بدءً من الخوارج والمعتزلة والشيعة والمرجئة والباطنية وصولا إلى مدارس الحداثة والمعاصرة في العصر الحاضر.
والتأويل هو صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلى معنى مرجوح لوجود دليل مقتض لذلك، فهو خلاف الأصل، إذ الأصل الأخذ بظاهر اللفظ"النص"حسبما يدل عليه لسان العرب.
ويكون إما تخصيصا للعام أو تقييدا للمطلق، أو صرفا للفظ من الحقيقة إلى المجاز وللأمر من الوجوب إلى الندب أو الإرشاد، وللنهي من الحرمة إلى الكراهة... الخ.
وكل نوع منها قد يكون قريبا أو بعيدا بحسب قوة دليل التأويل وضعفه. وبينت فيه أن التأويل - بإجماع أهل العلم لا بد له من شروط حتى يكون سائغا مقبولا أهمها: أن يكون اللفظ - النص - المراد تأويله قابلا للتأويل أصلا، بان يكون محتملا لعدة معان، فإن كان اللفظ غير محتمل للتأويل، بأن كان له معنى واحد محتم، لم يجز حمله على غيره، فإن حمل كان تأويلا باطلا مردودا.
ومن شرطه أن يكون المعنى المرجوح الذي يراد حمل اللفظ - النص - عليه مقبولا شرعا، بان لا يعارض نصا آخر مثله في القوة، أو يزيد عليه، ثبوتا أو دلالة.
فإن كان هذا المعنى يعارض نصا، أو حكما شرعيا مثله، أو أقوى منه كان أيضا تأويلا باطلا مردودا. فما الظن إذا كان يعارض نصوصا قطعية لا تحصر، أو أحكاما شرعية ثابتة مبرمة مجمعا عليها؟.
وهذا الشرط يستتبع شرطا آخر، وهو أن يقترن التأويل بدليل يقوي ويعضد هذا المعنى المرجوح على دلالة الظاهر، فإن عدم الدليل أو كان مساويا لدلالة ذلك الظاهر، أو لم يكن حجة كان تأويلا باطلا مردودا أيضا.
وهذا الدليل إما أن يكون نصا من القرآن، أو السنة، أو إجماعًا، أو قياسًا، علتْه منصوصة، أو قاعدة شرعية ثبتت بأدلة شرعية، أو بحكمة تشريع ظاهرة منضبطة.
فإن كان تأويلا بغير دليل شرعي معتبر - شبهات وأوهام وأحاديث ضعيفة أو مقاصد وكليات متخيلة مدعاة كما هو حال معظم التأويلات المعاصرة - كان تأويلا فاسدا مردودا.