فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 528

المبحث الثاني:الركن الثاني: المؤول وشروطه

التأويل بما انه صرف المعنى الظاهر الراجح إلى المعنى المرجوح لوجود دليل يقتضي ذلك، فهو لذلك من صلب الاجتهاد في نطاق النصوص الشرعية ذاتها.

والتأويل كما سبق: هو إما تخصيص للعام، أو تقييد للمطلق، أو صرف للفظ من الحقيقة إلى المجاز، أو الأمر من الوجوب إلى الندب أو الإباحة، أو النهي من التحريم إلى الكراهة.

ويلجا إليه لدرء التعارض بين الأدلة الشرعية المختلفة، بالجمع والتوفيق بينها، وذلك بالتأويل أي حمل أحد الدليلين على أحد الوجوه السابقة.

وهو لذلك يأتي في مكان الذروة من الاجتهاد الفقهي والنظر العقلي؛ لان معرفة قواعد تفسير النصوص، والإحاطة بالنصوص الشرعية، عامها وخاصها، مطلقها ومقيدها، وادراك وجوه المجاز، وكيفية رفع التعارض والترجيح بوجوه الترجيح المختلفة أمر لا يتسنى للكثيرين الإمساك بزمامه وإتقانه؛ لأنه يتطلب معرفة عميقة باللغة العربية وأسرارها وعادات العرب في استعمالهم للألفاظ والأساليب، يضاف اليه ضرورة الإحاطة الفقهية بالنصوص من الكتاب والسنة، ولذلك كله لا بد للمؤول أن يكون مجتهدا.

وحتى لا يكون الاجتهاد ساحة يجول فيها كل دعي، فقد اتفق علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم و أزمانهم و أمكنتهم على شروط ألزموا توافرها في كل من تصدى لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، استنبطوها من الكتاب والسنة، ودلت عليها نصوصها مثل حرمة القول على الله بغير علم … الخ.

وهم وإن اختلفوا في بعض التفاصيل المتعلقة بمقدار الإحاطة، إلا انهم متفقون على وجوب توفر حد أدنى من العلم، لعله لا يتوفر إلا في الندرة النادرة من علماء هذا العصر، ومع ذلك نرى من لا ناقة له في هذا الميدان ولا بعير، ولا تربطهم بالشريعة ومصادرها ونصوصها أدنى صلة، يتصدرون واجهة الإفتاء والتوجيه في الندوات التلفزيونية والصحف، وجلهم كتاب وصحفيون ومحامون أفنوْا أعمارهم بعيدا عن العلوم الشرعية ومصادرها ومصنفاتها.

ولذلك رأيت أن اذكر الشروط التي وضعها علماؤنا لصحة الاجتهاد وارتضتها الأمة خلفا بعد سلف، ودلت عليها قبل ذلك نصوص الكتاب والسنة.

وقبل ذلك أرى أن اذكر معنى الاجتهاد قال الامدي في تعريفه"هو استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه" (1) .

(1) الإحكام للآمدي 4/218.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت