وقد مرمعنا في الباب الأول أن التأويل بدليل حكمة التشريع لا يجوز إلا إذا كانت الحكمة ثابتة مطردة ظاهرة بحيث تترجح أن تكون علة شرعية، وأنها مع ذلك لا يجوز أن تعود على أصلها الذي استنبطت منه بالإبطال وهذان شرطان ضروريان لاعتبار الحكمة وهماهنا منتقيان انتفاء كاملا.
وهنا نرى خطورة الرأي الذي يلح عليه د.محمد عمارة والمتضمن أن النصوص القطعية الثبوت والدلالة تعلل بالمصالح والحكمة التشريعية دون أن يبين كيف تدرك تلك المصالح والحكمة التشريعية.
فتعليل النصوص بالعقل المجرد يؤول إلى تعطيلها، وليس كل ما رآه العقل المجرد علة كان كذلك، فمثلا الجودة لها قيمة، وكلما زادت الجودة زادت قيمتها، لكنا نرى أن الشارع أسقط اعتبار الجودة عند تبادل أصناف معينة بجنسها، واشترط المساواة دون اعتبار للجودة، بينما لا يقبل العقل ذلك، كما في بيع التمر الجيد بالتمر الرديء أو الذهب التبر بالذهب المصنع" (1) ."
وهكذا يتبين لنا أن القول بإباحة الربا تحت أي ذريعة كان وتحت أي حجة هو التفاف على النصوص الشرعية القطعية من الكتاب والسنة القاضية باعتباره حراما ثابتا إلى يوم الدين، غير معلل بعلة ولا محدد بنسبة ولا مقيد بقيد، وهو تأويل فاسد مردود مهما حاول أصحابه تزويقه وتسويقه بشتى الحجج، وهو خرق للإجماع المستقر الثابت، ليس إجماع الصحابة فحسب، بل إجماع العلماء في كل عصر وإجماع الأمة من ورائهم حتى غدت حرمته معلومة من الدين بالضرورة، يدركها الخاص والعام.
(1) المرجع السابق: - بتصرف يسير- ص48-49.