ولكن.. فلنعد إلى أوروبا. إلى الجاهلية المتصلة الحلقات.
لم يكن الذي حدث"تطورًا اقتصاديا حتميا"- كما تتصوره الجاهلية الماركسية. وإنما كان الطاغوت ينقّل خطاه عبر التاريخ، فيستتغل التطور الجديد في أساليب الإنتاج ليواصل طغيانه، واستعباده للناس.
ولم يكن ذلك حتمًا.. إنما كان فقط نتيجة طبيعية للظروف القائمة.. أو أنه كان حتمًا من وجهة واحدة: فما دام الناس لا يحكمون بما أنزل الله، فالبديل الوحيد هو أن يحكمهم الطاغوت، ويذيقهم العبودية والهوان.
وليس يمنع أن الطبقة الرأسمالية الصاعدة قد تصارعت مع الطبقة الإقطاعية المنحدرة لتأخذ منها السلطان.. ليس يمنع ذلك أن يكون الطاغوت هو الحاكم في الحالين! فالطاغوت ليس شخصًا معينًا بذاته، أو طبقة معينة. إنما الطاغوت سلطان غاشم، يتلقفه من يتلقفه من الناس فيستعبدون به سائر الناس.. وقد يصطرعون فيما بينهم عليه حتى يخلص في يد الفئة التي تخدمها الظروف الاقتصادية. كما اصطدمت قريش مع غيرها من القبائل - الضالة مثلها - في الجزيرة حتى خلص لها وحدها سلطان الطاغوت، وصارت - بظروفها الاقتصادية - هي التي تملك وتحكم، وتستعبد الناس بشتى فنون الاستعباد!
والتفسير المادي للتاريخ لا يفسر إلا ظروف انتقال السلطة من الطاغوت إلى الطاغوت! ولكنه لا يتعمق في التفسير ليعلم أسباب وجود الطاغوت ذاته، ويعلم أنه ليس حتمي الوجود في الأرض.. إذا أراد الناس!
إنه تفسير جاهلي.. يفسر الجاهليات!
لم تكن العبودية الجديدة واضحة السمات في مبدإ الأمر.. إنما كان الوجه الظاهر هو التحرر.
تحرر العمال من ربقة الأرض..
وتحرر الشعب من ربقة الإقطاع..