الصفحة 99 من 290

وتحرر الناس فعلًا من عبودية الأرض، وانتقلوا من عبودية الريف إلى"حرية"المدينة.

هكذا خيل إليهم في بادئ الأمر!

خيل إليهم أنهم قد حطّموا القيود كلها التي كانت تكتفهم، وأنهم اليوم طلقاء، يصنعون ما يشاءون! ذلك أنهم - وهم ينتقلون من طور جاهلي إلى طور جاهلي آخر - لم يكونوا بعد قد رأوا قيود العبودية الجديدة التي تتربص بهم، وتنتظرهم حتى يصلوا - بأرجلهم - إليها!

يقول التفسير المادي للتاريخ إن"الطبقة"الجديدة التي خلقتها الآلة، وانتقال عملية الإنتاج من صورته الإقطاعية إلى صورته الرأسمالية، هما اللذان أحدثا العبودية الجديدة التي أخذت تضيق حلقاتها رويدًا رويدًا حتى أطبقت على أنفاس الناس.

ولكن الأمر أعمق من هذا الوجه الظاهر الذي يقرؤه التفسير المادي للتاريخ، ويزعم أنه قد وصل به إلى اللباب. وأنه وصل به إلى الإعجاز في التفسير!

إن حقيقة الأمر أن الجاهلية الجديدة - التي لا تحكم بما أنزل الله في ظل الرأسمالية - هي مجرد امتداد للجاهلية القديمة التي لم تكن تحكم بما أنزل الله في ظل الإقطاع.

إنها شهوة واحدة"متطورة"وهوى واحد يتتبع المنفعة على حساب"الكادحين".

إنه الطاغوت الذي يوجد في كل جاهلية. ويتحكم في الناس بهواه. ما دام الناس لا يحكمون بما أنزل الله!

ولقد وجد هذا الطاغوت في العالم الإسلامي ولا شك.. بمقدار ما انحرف الناس عن منهج الله. ولكنه لم يستطع، والناس يحكمون بشرع الله - ولو على فساد! - أن يستشري كم استشرى في أوروبا حتى يقلب حياة الناس إلى جحيم.

لم يحدث في الإسلام الإقطاع الذي حدث بصورته البشعة في أوروبا. وكان الإسلام حريًّا كذلك أن يحد من طاغوت الرأسمالية كما حد من طاغوت الإقطاع من قبل، ما دام الناس يحكمون بشرع الله، ولو على فساد جزئي! (1)

(1) راجع في كتاب"الشبهات"فصل"الإسلام والرأسمالية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت