الصفحة 98 من 290

إن الإقطاع لا ينهار - أو لا ينبغي أن ينهار - لأنه ظالم، وإنما لأنه أدى دوره المادي - الطبقي. والنظام الجديد - أي نظام جديد - لا يقوم - أو ينبغي أن يقوم - لأنه يمحو الظلم الماثل، ولكن لأن دوره المادي - الطبقي قد حل. أي أنه حلت"حتميته التاريخية"!

ولا تفرق المادية التاريخية بين"الطور"الاقتصادي الناشئ من تعديل أساليب الإنتاج، وبين"الطبقة"التي تحكمه، وتستغله، وتكون هي سيدته. لأنه في الجاهلية - الواقعية والتفسيرية معًا - لا يحكم الناس بما أنزل الله، وإنما يحكمون بأهوائهم، ومن ثم تكون"الطبقة"المالكة هي الحاكمة المسيطرة المستغلة. ويتبادل الناس الظلم على مدار"الأطوار"!

ولا تستطيع الجاهلية - الواقعية أو التفسيرية - أن تتصور حالة ينتقل فيها الاقتصاد من طور إلى طور - انتقالًا طبيعيا بحكم ما يطرأ على أساليب الإنتاج من تغير علمي - دون أن يكون فيه استغلال من طبقة لطبقة. لأنهم - في جاهليتهم الطويلة المستمرة - لم يذوقوا قط كيف يكون الحكم بما أنزل الله، وكيف يصرّف هذا الحكم الأمور بالحق والعدل، بصرف النظر عن الطور الاقتصادي، لأنه ليس مقصورًا على طور دون طور، وليس مفصلًا على قد حالة اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية معينة. وإنما هو مفصل على قد"الإنسان". أيًّا كان طور"النمو"الذي يصل إليه الإنسان.

أيًّا كان الأمر. فقد انهار الإقطاع الأوروبي على مولد الآلة. وبدأ تحول جديد في المجتمع.

احتاجت المصانع إلى عمال. ولا مورد لهم إلا من الريف. فلزم إذن تحطيم الإقطاع الذي يربط الفلاحين بالأرض، ليتمكنوا من"التحرر"من ربقة الأرض، والانتقال من الريف إلى المدينة حيث العمل الجديد (1)

(1) هكذا يقول التفسير المادي للتاريخ. ويغفل أن الفلاحين قد بدأوا يثورون في أوروبا في القرن الثالث عشر على هذه العبودية الظالمة بحكم"الفطرة"التي قد تصبر طويلًا على الظلم ولكنها تلفظه ذات يوم بالضرورة، ولو لم يكن هناك أي تحول في أساليب الإنتاج. فعندما بدأت حركة"فرار الفلاحين"في القرن الثالث عشر لم يكن"الطور"المادي الجديد قد ولد بعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت