ولم تكن الأمور واضحة في مبدأ الأمر كل الوضوح..
كان"الطيبون"المخدوعون في الجاهلية الجديدة يحسبون أنهم يبنون الحياة على نسق فاضل، صاعد، رفيع.. جدير بكرامة"الإنسان"!
وكانت"المظاهر"تملى لهم في هذا الظن..
أو ليسوا هم - الشعب - هم الذين ينتخبون ممثليهم؛ وممثلوهم هؤلاء لا بد أن يشرعوا بإرادتهم، ولصالحهم؟
ولكن الحقيقة أن الذي كان يحكم هو طاغوت رأس المال..
ولقد أصبحت القضية اليوم معروفة بصورة لا تحتاج إلى كثير بيان.. فقد قيل عن الرأسمالية في السنوات الأخيرة في كل بقاع الأرض - وبجميع وسائل الإعلام - ما يكفي لبيان شرورها وطغيانها وفسادها. وبيان مدى استغلالها لسلطان الحكم في تنفيذ مآربها الخاصة، وامتصاص دماء"الكادحين".. وتحولها في نهاية الأمر إلى الإرهاب السافر.. ضد المطالبين بالحرية الحقيقية، والعدالة الحقيقية، وانتزاع السلطان من الطاغوت..
وتلك أمثلة"خفيفة".. تكفي!
"وإنا لذاكرون ما حدث في الإضراب العام بانجلترا عام 1926 إذ سيرت الحكومة كل قواها لقمعه. وأعلن قانون الرأسمالييين أن الإضراب غير دستوري، وزحفت فصائل الشرطة وكتائب الجيش لقمعه، تحميها الدبابات وسخرت شتى وسائل النقل لكسر الإضراب، ودعى الشبان من طلبة الجامعات لقيادة مركبات النقل العامة، واستخدمت الإذاعة والصحف، وجعلت الحكومة من نفسها خادمًا لأصحاب الأعمال، وتهددت النقابات باستصفاء أموالها وسجن زعمائها..".
ذلك في إنجلترا.. أم الديمقراطية.. والكلام على لسان رجل إنجليزي.. لا رجل من أعداء الإنجليز (1) .
أما في أمريكا فالأمر أبشع.. فهناك عصابات من"البلطجية"المحترفين تعمل في خدمة"الديمقراطية"لتأديب الخارجين على سلطان رأس المال، وسجنهم وتعذيبهم، وقتلهم أحيانًا إذا لزم الأمر:
(1) هنري نوبل برايلز فورد. ترجمة عصام الدين حفني ناصف.