لقمة الكفاف، هي ذاتها التي سمحت بتشغيل العامل في المصنع حتى يستنفذ جهده.. مقابل الكفاف.
كلا! لم تستحدث الرأسمالية"خلقًا"واحدًا لم يكن موجودًا من قبل في الجاهلية الأوروبية.. إنما هي مجرد امتداد.
كل ما في الأمر أن الربا - هكذا طبيعته - يصير إلى الأضعاف المضاعفة بصورة أسرع من أرباح الأرض، ومن ثم تزايدت كل"أخلاقيات"الجاهلية الإقطاعية على يد الرأسمالية.. تزايدت في الشناعة والهبوط!
ومضت الرأسمالية في طريقها من"نصر"إلى"نصر".. أي من طغيان لطغيان. وساعد العلم إمكانياتها فزادت ضراوتها، وقدرتها على سحق كل معارضة في الطريق.
ولم يكن ذلك حتمية تاريخية ولا اقتصادية!
فدول الشمال في أوروبا تقوم - رغم جاهليتها وانحرافها في أمور كثيرة أخرى - على الرأسمالية التعاونية، لأن الناس هناك أرادوا ذلك ونفذوه.. فلم يجدوا حائلا"حتميا"في طبيعة رأس المال يحول بينهم وبين التعاون، أو يفرض عليهم أن يكون رأس المال في أيديهم غولًا بشعًا سفاك دماء.
ليست الحتمية.. وإنما الانحراف!
وأدى تضخم الرأسمالية المتزايد، والتقدم العلمي المتزايد، إلى أن رءوس الأموال الكبيرة صارت أقدر على الربح - بإمكانياتها العلمية - من رءوس الأموال الصغيرة فأكلتها! أو اضطرتها إلى الدخول معها في اتحادات، أدت في النهاية إلى احتكارات!
فحين تتداخل كل رءوس الأموال العامة في صناعة ما، وتكوّن اتحادًا واحدًا، يصبح هذا الاتحاد بالضرورة محتكرًا لهذه الصناعة وحده، ولا يجرؤ رأس مال آخر على منافسته في الميدان الذي تخصص فيه وتهيأ لاحتكاره.
ولم تكن هذه حتمية تاريخية ولا اقتصادية! فكما أن التعاون قد أمكن بالفعل - في دول الشمال في أوروبا - بين الأفراد، فقد أمكن كذلك هناك بين المؤسسات المتشابهة، فتعاونت - برءوس أموالها التعاونية - لا للاحتكار والتحكم في الأسعار بالنسبة للمستهلك، وإنما لتحقيق الأرباح لجميع المساهمين وهم بذاتهم هم المستهلكون..