كيان الإنسان. بل.. لما خشيت أن يكون هذا الكلام قليل الإقناع ذهبت في نقاشها خطوة أبعد، فنفت أصلًا أن للإنسان فطرة! لعلها تحسم الجدل من جذوره! وزعمت - كما قال ماركس وإنجلز وكثيرون وغيرهم - أن الإنسان ولد بغير نزعات فطرية، وبالذات بغير نزعة إلى التملك. وإنما"المجتمع"هو الذي بذر فيه هذه البذور - الخبيثة - التي لا بد من اقتلاعها لأنها السبب في إشقاء البشرية.
ولم يناقش هؤلاء الجاهليون هذا السؤال الذي لا بد أن يخطر في المناقشة: لماذا صنع"المجتمع"ذلك؟ وما هو هذا"المجتمع"الذي صنع ما صنع؟ هل هو شيء آخر غير"الإنسان"؟ نعم قد يكون المجتمع مختلفًا عن الفرد! وقد تكون له صفات وخصائص غير الصفات والخصائص التي يتميز بها الفرد.. ولكن هل هو شيء غير"الإنسان"؟
ومع التسليم - جدلًا؟ - بما يزعمه ماركس ودركايم من أن الكيان الجمعي يفرض نفسه على الفرد فرضًا ويزرع في نفسه الطيبات والخبائث دون وعي منه ولا إرادة [سنناقش هذه الأسطورة في الباب القادم] مع التسليم جدلًا بكل ذلك، فمن الذي زعم أن"الإنسان"هو الفرد فقط؟ والمجموع؟ أليس مجموعًا"إنسانيا"؟ أم هو جنس آخر غير بني الإنسان؟!
كلا! لم يناقش الجاهليون هذا السؤال وهم يحاولون أن يقتلعوا الملكية الفردية في نفس"الفرد"! وإنما زعموا أن الإنسان البدائي لم يكن يعرف الملكية الفردية. وإنما كانت أدوات الإنتاج - التي لا وجود لها! - مشاعة بين الجميع، والإنتاج كله مشاعًا بين الجميع كذلك. وإنما عرفت الملكية فقط حين اكتشفت الزراعة، فسعى الناس إلى ملكية الأرض، وملكية أدوات الإنتاج.. وملكية الناس الذين ينتجون، في مرحلة الرق، ثم مرحلة الإقطاع، ثم مرحلة الرأسمالية!
وقليل من"المنطق"كان يكفي لرد هؤلاء الجاهليين إلى الصواب!
أي شيء كان قابلًا للامتلاك في العهد البدائي الأول؟
قطعة الحجر السمنونة على هيئة سكين؟ ما نفعها لمن يملكها؟ إنها تستخدم - على الأكثر - لقطع قطعة من اللحم النيئ إذا لم تفلح فيه الأظافر والأسنان! وهذا اللحم ذاته - أوالسمك - كيف يُملك؟ إنه إذا فاض عن حاجة القوم فإنه ينتن ويفسد، ولا يعود صالحًا للأكل. فلماذا يُحجز وكيف يحفظ؟