إنما الانحراف - في أي وقت -"احتمال"بشري، يقع، كما يقع الاعتدال سواء بسواء.
ومرجع هذا وذاك إلى الفطرة البشرية ذاتها، التي تحمل في طياتها استعداد الهدى واستعداد الضلال، وتتقبل الانحراف كما تتقبل الاعتدال.. حسب"التوجيه"الذي تناله، و"الاتجاه"الذي تقصد إليه! (1)
وإذن فالأسطورة التي زعمها التفسير الجاهلي للتاريخ، والتي تقول إن الملكية الفردية بدأت - فقط - باكتشاف الزراعة، وإن"هذه"الملكية هي سبب الانحراف.. هي أسطورة جاهلية جاهلة لا تعرف طبيعة"الإنسان"!
وقد وجدت الملكية الفردية خلال التاريخ كله، ولم تكن - في ذاتها - طريقًا إلى الضلال.. إنما كانت وضعًا محايدًا، يوجه في طريق الخير فيكون عنصر بناء ونشاط وتقدم، ويوجه في طريق الشر فيكون عنصر هدم وتعويق وتدمير..
ولم تكن الملكية الفردية مؤدية - حتمًا - إلى الإقطاع والرأسمالية [كما بينا من قبل في هذا الفصل] وإنما الذي أدى إلى ذلك هو"الشهوة".. الشهوة التي تتخذ الملكية طريقًا إلى استعباد الناس والتطاول عليهم. وهنا.. يكمن انحراف البشرية منذ أقدم الأزمان!
فلما قامت الجاهلية الماركسية تنزع الملكية الفردية البتة - ظنا منها بأن الفساد كامن فيها، وليس في"الإنسان"الذي كان يعيش في أوروبا الجاهلية - فماذا كانت النتيجة العملية لهذه التجربة في نصف قرن من الزمان؟
"شهوة"السلطان هل قضت عليها الجاهلية الماركسية حين نزعت الملكية الفردية؟!
لا ينبغي لنا نحن أن نتكلم! فقد تكلم خروشوف! تكلم عن"زعيمه"السابق - بعد أن مات! - فقال إنه كان مجرمًا سفاحًا يمثل أبشع دكتاتورية في التاريخ!
لقد أزيلت الملكية الفردية وبقي الانحراف الكامن في ذلك"الإنسان"الجاهلي الذي لا يهتدي بمنهج الله!
وكان من نتائج هذا الانحراف تلك الدكتاتورية البشعة التي تحدثنا عنها في الباب السابق [في السياسة] سواء دكتاتورية الزعيم المقدس - الوحش المجرم السفاح -
(1) انظر"دراسات في النفس الإنسانية".