الصفحة 130 من 290

الآدمية التي يتكون منها مجموع الشعب.. الشعب الذي لا حقوق له، وعليه في الوقت ذاته جميع الواجبات.

و"الفرد"من هذا الشعب ليس له كيان. لا يملك شيئًا ملكًا حقيقيا، فالإقطاعي هو المالك الوحيد. والفرد لا يتعامل بكيانه المباشر مع شيء على الإطلاق! لا يتعامل مع الدولة. فالدولة لا تعرفه إلا عن طريق الإقطاعي الذي يملك أن يقدمه وأن يؤخره، وأن يجعل له وجودًا أو يلغي ذلك الوجود. ومن ثم يقوم الإقطاعي بين الفرد وعلاقته المباشرة مع الدولة، كما يقوم الكاهن والقسيس بين الفرد وعلاقته المباشرة مع الله.

والحقوق السياسية لا وجود لها. ولا ضمانات العيش ولا ضمانات القضاء. ولا أي ضمانات.

وفوق ذلك فالنظام الإقطاعي ذاته - بصورته الجاهلية التي قامت في أوربا - لا يرتكز على شخصية الفرد - فيما عدا الفرد الإقطاعي صاحب السيادة - وإنما يرتكز على جموع من الأفراد ليس لها كيان فردي مستقل متميز، وإنما لها صورة مطبوعة بخاتم قلما يتغير.. فالحياة راكدة آسنة في الريف لم تتغير منذ مئات السنين.. فرد يذهب وفرد يجيء، وكأنما لا يذهب الذاهب ولا يجيء! ومن ثم لا يحس الفرد بوجوده، وهو يمارس هذه السلبية الكاملة إزاء العرف والتقاليد، التي يخضع لها لا إيمانًا واعيًا بها - فتكون له شخصيته المتميزة في أدائها - ولكن خضوعًا آليا كالثور المعلق في الطاحون.

ومن هذا الركود الآسن انبعث النشاط في أوروبا، بعد احتكاكها بالعالم الإسلامي، في الحروب الصليبية تارة، وفي الجامعات الإسلامية في المغرب والأندلس تارة أخرى.. فدبت الحياة في الموات.

وكان على الناس أن يزيحوا عن كاهلهم ما يرزحون تحته من أثقال.

أول ثقل بدأوا يزحزحونه هو الكنيسة.. ورجال الدين.

وهنا دخلت"عبادة الطبيعة"مهربًا من الكنيسة وإلهها المتجبر الذي تحكم باسمه الناس، ومحاولةً لإقامة"عبادة"جديدة يلتقي فيها العابد والمعبود مباشرة بلا وسيط!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت