الصفحة 131 من 290

ونحن هنا بطبيعة الحال نتتبع التاريخ دون أن نبرر التاريخ! فليس هناك - كما أشرنا من قبل - مبرر"منطقي"ولا"علمي"لهذا التحول من إله الكنيسة إلى عبادة الطبيعة.. وإنما هو مهرب وجداني منحرف لا يحمل الدليل.. وقد كان على الناس حين أخذوا يزيحون سلطان الكنيسة المزيف أن يعودوا إلى عبادة الله الحق، لا أن يخلقوا آلهة جديدة مزيفة يعبدونها من دون الله.

ثم أخذوا يزيحون ثقل الإقطاع بما يشمله من طبقة الأشراف..

وكانت الثورة الفرنسية جماع هذه الثورة التي أطاحت بالملكية ورجال الإقطاع على الطريقة الأوروبية! أو على الطريقة الفرنسية! المقصلة وقطع الرقاب!

وبدأ"الفرد"يحس بكيانه..

ولكنه - في هذه الجاهلية التي لا تعرف الله - لم يكن يُتوقع له أن يحس بكيانه على اهتداء.

إنه - مثلًا - لم يسع إلى الاتصال المباشر بخالقه بغير وساطة الكاهن. وإنما أدار ظهره للكنيسة بكل ما تحمله من كهنة وقسيسين.. و"إله"!

ولم يحاول أن يفرز التقاليد السارية في مجتمعه، فيرى ما كان منها ذا قيمة باقية، فيقوم بأدائه عن إيمان - فتكون له الشخصية المتميزة في هذا الأداء - وإنما أدار ظهره لمجموعة الأخلاق والتقاليد في عصره على أنها شيء بائد.. لا بد أن يبيد.

وهكذا لم يتعقل في ثورته المجنونة.. لقد كان - في هياجه - يلقى كل شيء لينطلق خفيفًا من الأثقال.

ثم كان الانقلاب الصناعي الذي أتى على بقية ما كان من بنيان..

لقد أحدث هذا الانقلاب تغيرًا كاملًا في صورة المجتمع.. في كل شيء فيه..

وكان عاملًا من أهم العوامل في التركيز على"فردية"الإنسان..

لقد جاء العمال من الريف فرادى.. غير متعارفين ولا مترابطين. وسكنوا في المدينة كذلك فرادى.. لا يلتقون إلا في زمالة العمل وحده. ولكن لا تقوم بينهم الروابط التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت