كانت تقوم بين الفلاح وأخيه في الريف، حيث الناس متعارفون، متعاونون، تربطهم القرابة والمصاهرة والجوار ودوام الاتصال.. والتقاليد المشتركة التي توحد كيانهم من الداخل فيلتقون متعارفين بالمشاعر والأفكار.
بل إنهم جاءوا كذلك فرادى بلا أسر.. فقد كان الجيل الأول من العمال النازحين من الريف يتحسسون الطريق في المدينة، فلا يحضرون معهم أسرهم حتى يطمئنوا أولًا إلى الجو الذي يعيشون فيه. وكان معظمهم من الشبان العزاب الذين لم يرتبطوا بعد برباط الزواج..
وهكذا أحس كل إنسان في المدينة بفرديته المتميزة أكثر مما أحس بالرباط الجمعي..
ثم عملت المرأة..
وأحست كذلك بفرديتها..
لقد كانت من قبل هملًا لا وجود له ولا كيان ولا استقلال. مجرد تابع للرجل. تعيش عن طريقه اقتصاديا واجتماعيا ونفسيا وفكريا.. وكل شيء.. فهي لا تفكر في أمورها بفكرها، وإنما بفكر أبيها أو أخيها أو زوجها. ولا تفكر في شئون المجتمع - ما لها هي وما له؟ - وإن فكرت فعن طريق الرجل الذي ينقل إليها الأمور جاهزة مبلورة منتهية، لا تشارك هي في معاناتها أو تمثلها. ثم إنها لا تملك ملكًا مباشرًا ولا تتصرف بنفسها في هذا الملك - هكذا كانت في جاهلية العصور الوسطى في أوروبا! - وإنما الرجل هو الذي يملك ويتصرف.. وهي تعيش في تقاليد معينة، تضيّق عليها أكثر مما تضيق على الرجل، أو تضيّق عليها وحدها دون الرجل في كثير من الأمور. وهي تتشرب هذه التقاليد بلا وعي، وتعيشها راضية أو ساخطة على أنها قدر مقدور..
فلما اشتغلت حدث في نفسها انقلاب!
صار في يدها مال تملكه ملكًا حقيقيا، مباشرًا، كاملًا، تستطيع أن تتصرف فيه كما تشاء.
وتعاملت - بشخصها مباشرة - مع المجتمع. في المصنع والمتجر والطريق..
وتعاملت مع الرجل - أو بدأت - إن لم يكن على أنها ندٌّ له، فعلى الأقل على أنها لم تعد ذلك التابع الذي لا كيان له، وإنما صارت كائنًا"يحاول"أن يصل إلى مستوى الرجل وينازعه السلطان..