الصفحة 133 من 290

وفي كل ذلك برزت"فرديتها"التي لم يكن لها وجود من قبل..

واشتغل الأطفال كذلك!

وبرزت - رويدًا رويدًا - لهؤلاء الصغار"فردية"متميزة، يكتسبونها من عرك العمل لهم منذ طفولتهم، ومن العملة القليلة التي تتحصل في أيديهم..

وصار الجميع"أفرادًا"متميزي الفردية!

لقد كان في هذه الفردية انحراف هائل خطير..

ولم يكن ذلك حتمًا بطبيعة الحال.. فليس حتمًا أن تكون الفردية في ذاتها منحرفة.. فهي جزء أصيل من كيان الإنسان السليم. ولكنها انحرفت لأنها ولدت في ظل الجاهلية المنحرفة عن منهج الله. ولأنها كذلك رد فعل عنيف غير متوازن لانعدام الكيان الفردي الذي أنشأه الإقطاع عدة قرون..

لقد ذاق هؤلاء جميعًا فرديتهم المستقلة"المتحررة"من غير طريقها السوي، الذي كان يضمن لهم - مع الإحساس بالذاتية المتميزة - توازنًا في الإحساس بالحقوق والتبعات، والحرية والالتزام.

فسكان المدينة الجدد كانوا - رويدًا رويدًا - قومًا يتحللون من الدين والأخلاق والتقاليد، بتأثير الانتقال من الكبت العنيف في الريف إلى"حرية"المدينة وبحبحتها؛ وبتأثير الانسلاخ التدريجي الدائم من الدين؛ وبتأثير التفسير الحيواني للإنسان الذي بثته الداروينية في النفوس؛ وبتأثير التفسير الجنسي للسلوك الذي بثه فرويد؛ وبتأثير وجود الشباب الفاره القوة - في سن الشباب - بلا أسر تعصمه من الخطيئة، فيلجأ إلى الحل الرخيص الذي تقدمه المدينة في صورة بغاء..

والمرأة - وهي تحس رويدًا رويدًا بفرديتها - كانت تستقي هذه الفردية على انحراف. فهي خارجة من حالة انعدام الكيان.. في كل شيء. فلما أحست بذاتيتها أخذت تناضل لتحطيم كل قيد.. لازمًا أو غير لازم.. وأخذت بالذات تسعى إلى تحطيم الدين والأخلاق والتقاليد لأنها استُخدمت ضدها في معركة"التحرر".. استخدمها الرجل ليصدها عن منافسته، بينما كان هو في واقع حياته متحللًا من الدين والأخلاق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت