الصفحة 143 من 290

"إن الأسباب النهائية لكافة التغيرات أو التحولات السياسية لا يجوز البحث عنها في عقول الناس، أو في سعيهم وراء الحق والعدل الأزليين، وإنما في التغيرات التي تطرأ على أسلوب الإنتاج والتبادل" [إنجلز] .

ولكن المهم - هنا - أن التفسير المادي للتاريخ حين يتحدث عن"الإنسان"لا يتحدث عنه فردًا. فهو مشغول دائمًا"بالعمليات الاجتماعية".. ولا يتصور للفرد وجودًا إلا من خلال العمليات الاجتماعية.

الفرد لا وجود له في رأي ماركس وإنجلز.. فهو لا بد أن يتمثل في"طبقة"! ولا بد أن يتشرب ويتكيف بمصالح الطبقة التي ينتمي إليها. وانتماؤه إليها هو الذي يحدد له مشاعره وأفكاره، وأخلاقه وتقاليده، وموقفه من الحياة.. أما أن يفكر في الحياة فردًا مستقلًا ذا كيان متميز، ويكون له - على هذا الوضع - أفكار ذاتية أو مواقف ذاتية، فمسألة مستحيلة في عرف التفسير المادي للتاريخ! والفرد المتميز الذي تحكي عنه وقائع التاريخ هو أسطورة صنعها الناس (لماذا؟!) . وحقيقة الأمر، التي تبينها الدراسة"العلمية"أنه لم يوجد قط فرد من هذا النوع، إنما كان الفرد دائمًا متمثلًا في طبقة خلال التاريخ كله. ثم كان الفرد"المتميز"دائمًا مجرد إنسان أبعد نظرًا أو أكثر استشفافًا للاتجاه الطبقي المقبل، الحتمي، الذي تفرضه التطورات الاقتصادية والمادية، فقام يبشر بالاتجاه"الحتمي"المقبل!

وإذن فالإنسان كله في مقام التبعية للتطورات الاقتصادية والمادية الحتمية، والفرد - من هذا الإنسان - في مقام التبعية الدائمة للمجتمع، التابع بدوره لهذه التطورات!

وفي تلك الفترة تحول الإنسان من عبادة نفسه، إلى عبادة الآلهة الجديدة... آلهة الحتميات!

انحراف جاهلي آخر لا يقل تطرفًا عن الانحراف الجاهلي السابق، الذي أبرز الفرد على حساب المجموع!

كلاهما رد فعل لحركة سابقة.. وكلاهما يتسم بالتطرف المعيب!

إن الذي لا تطيق الجاهلية أن تتصوره في كل مرة، أن الفرد ليس منفصلًا عن المجموع! كلاهما أصيل، لأنه حقيقة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت