من أين يأتي المجتمع إن لم يأت من مجموع الأفراد؟!
إن نقطة الضلال الأكبر في التفسير الجمعي للحياة البشرية، أنه يرى جانبًا واحدًا من هذه الحياة: جانب خضوع الفرد لأشياء يفرضها المجتمع عليه، على غير هواه!
وتلك ولا شك حقيقة.. ولكن ما دلالتها؟
لقد أقر دركايم - وإن كان قد سحب اعترافه في نفس اللحظة! - بأن الظاهرة الاجتماعية تحدث نتيجة عدد كبير من الضمائر الفردية.. أي.. ماذا؟ أي أن الفرد - بطريقة ما - ممثل في هذا المجتمع تمثيلًا إيجابيا له ضغطه ووزنه ودفعه للحياة. والإخضاع الذي يفرضه المجتمع على الفرد في بعض أمره - بل في كل أمره حسمًا للجدل! - ليس له إلا حالة من حالتين:
إما أنه إخضاع"صالح".. فمعنى ذلك أن اجتماع عدد كبير من الضمائر الفردية الصالحة يفرض سلطانه على الفرد المنحرف ويقول له: مكانك! لا تخرج على الحدود المرسومة!
وإما أنه إخضاع فاسد. فمعنى ذلك أن اجتماع عدد كبير من الضمائر الفردية الفاسدة - أي الطاغية المنحرفة - يفرض سلطانه على الفرد الصالح ويقول له: إما أن تسير معنا، وإما أجليناك عن الطريق!
وفي كلتا الحالتين هو اجتماع عدد كبير من الضمائر الفردية. تزداد قوة باجتماعها. نعم. ولكن لا تخرج عن طبيعتها"الإنسانية"في النهاية. فالفرد والمجتمع - كلاهما - هما"الإنسان"! وليس الفرد وحده ولا المجتمع وحده هو الذي ينحصر فيه وصف"الإنسان"!
والتفسير الجمعي أو التفسير المادي يخلطان المسألة خلطًا لا يتميز فيه كيان الفرد، لأنهما - كما قلنا - يأخذان جانبًا واحدًا من الحياة، هو خضوع الفرد للمجتمع في جميع الأحوال.
ولكنهما - في عماية جاهلية - ينكران الواقع.. الواقع الذي يسجل خروج أفراد على مجتمعاتهم، ووقوفهم منها موقف المناجزة والصراع.
وكون المجتمعات تسحقهم، ليس هو موضع الدلالة هنا. فالمهم أنه يحدث بالفعل