الصفحة 157 من 290

تناقش ولا تعارَض، ولا توضع - كالأشياء الأخرى - في الميزان. فهي ميزان نفسها. ولا تقاس بشيء خارج عنها.. أو ليست"آلهة"؟ لا تُسأل عما تفعل! فلنقبل حكمها صاغرين.. بل فلنتقبل حكمها مسرورين!

ومضت العجلة خطوة أخرى في طريق الانحدار.. فما كان يمكن أن تقف عند حد معين.. ما دامت في طريق الانحدار!

لقد كان قد بقي رصيد من الأخلاق الحقيقية في أوربا.. رصيد من الفضائل الإنسانية الخليقة بالإعجاب. الصدق والأمانة والاستقامة والجلد على العمل والإخلاص فيه.. والقدرة على التنظيم.. والتوجّه إلى الإنتاج والصبر على مقتضياته، والكفاح من أجل تحسين الحياة وتجميلها وتيسيرها..

وهي كلها جزء من الرصيد الأصلي للأخلاق، الذي استمدته أوربا من معينه الأول - معين الدين - سواء المعين المسيحي والمعين الإسلامي.. مضافًا إليه الروح الرومانية"القديمة"، النشيطة في عالم المادة والإنتاج المادي، المتجهة إلى"التنظيم"و"التحسين".

ولكن الروح الرومانية ذاتها هي التي أفسدت ذلك الرصيد!

وكما أفسدت الهيلينية رصيد الأخلاق من قبل، ففصلت بين المثال والواقع، وأباحت الاستمتاع بالمثل الأخلاقية - في الأبراج العاجية - دون أن يكون لها رصيد من الواقع [ونشأت عن ذلك المكيافيلية في عالم السياسة] فكذلك أفسدت الروح الرومانية ما تبقى من رصيد الأخلاق.. من ناحيتين:

إن الروح الرومانية - كانت - نفعية من ناحية. وأنانية من ناحية.

ومن هذين الانحرافين في الجاهلية الرومانية القديمة حدث الانحراف في الرصيد الذي تبقى من الأخلاق في الجاهلية الحديثة.. فصارت نفعية.. وصارت أنانية..

إن الصدق والإخلاص والأمانة والاستقامة.. الخ، فضائل. ولكنها يمكن أن تتم على مستويات مختلفة، وليست صورة واحدة مفردة..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت