يمكن أن تتم على مستوى"إنساني".. وهذا هو الخليق بها.. وهذه صورتها الحقيقية الأصلية التي تستمدها من معين الدين. ويمكن أن تتم على مستوى"قومي"أي أنها لا تطبق إلا في حدود"القومية"التي يعيش الإنسان في داخلها، فإذا خرجت عن حدود هذه القومية - الضيقة - مهما اتسعت - عن النطاق"الإنساني"الشامل - فقدت رصيدها ودوافعها، وانقلبت أنانية تسرق وتنهب وتغش وتخادع وتلتوي.. ولا تبالي أن تصنع ذلك كله، ولا تتأثم ولا تتحرج.. لأنها - في أصلها - لا تقوم على ركيزة"إنسانية"حقيقية. ويمكن - بعد ذلك - أن تتم في المستوى القومي ذاته، لا على أساس أنها قيم مطلقة ينبغي طاعتها - في المستوى القومي على أقل تقدير - وإنما على أساس ما تجلبه من النفع لحاملها.. فهي تتبع بمقدار هذا النفع، وتبطل إذا بطلت المنفعة، القريبة أو البعيدة، التي هي - في هذه الحالة - الرصيد الوحيد المتبقي لهذه"الأخلاق"!
ولقد وقعت أوربا - بتأثير الجاهلية الرومانية المعادة - في هذين الانحرافين معًا.. بالتدريج!
حين كان المسلمون يتعاملون مع الصليبيين في الحروب الصليبية - وخاصة في عهد القائد المسلم صلاح الدين - فيفون بعهودهم، ويأبون أن ينقضوا مواثيقهم حتى حين تحصرهم الضرورة وتكون"المنفعة"في نقض هذه المواثيق.. حينئذ كانوا يضربون مثلا للأخلاق"الحقيقية"! فهذه هي الأخلاق في صورتها الأصلية، المستمدة من منهج الله
"وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (1) ".
فالميثاق لا ينقض غدرًا حتى حين تخاف الخيانة.. وإنما يعلن العدو أن الميثاق قد انتهى بسبب الخيانة من جانبه، ويعلن أن العلاقة هي علاقة الحرب، فلا يؤخذ على غرة - وهو عدو!! - وعدو في العقيدة.. أغلى ما يملك المؤمنون!!
وحين كان الصليبيون ينقضون الميثاق الذي ضربوه للمسلمين. ويأخذونهم على غرة. ويقتلون منهم الألوف من الرجال والنساء والأطفال قتلا وحشيا بشعًا لا يطيقه إلا
(1) سورة الأنفال [58] .