الصفحة 160 من 290

بها الناس في عالم الأجور! والخمر محرمة على المسلمين، شربها وبيعها سواء! فكانوا يحطمون هذه الزجاجات، ويفقدون بذلك الجزء الأكبر من أجورهم ويعيشون على الكفاف! ثم أدركهم أحد المسلمين البصيرين بالقانون، فوصّاهم أن يرفضوا قبض أجورهم بهذه الصورة التي لا مثيل لها في أي بقعة على الأرض ويرفعوا على الشركة قضية إذا أصرت على هذا التصرف الغريب.. فما كان من الشركة إلا أن فصلتهم من العمل جميعًا دفعة واحدة! وهذه هي"الأخلاق"!

وأهل فرنسا قوم"ظرفاء""مهذبون". للمنفعة! .. فحين يستقبلك أهل باريس بالأدب والظرف و"الإتيكيت"ويمنحونك"عواطفهم"فكل ذلك لكي"تنفق"في فرنسا أكثر ما تستطيع إنفاقه من النقود! إما إذا لم تصنع..!

حدثني شاب مصري كان هناك، لا يشرب الخمر ولا يرتاد أماكن الفجور ولا يتقبل ما يعرضه عليه الفندق من دعارة تأتيه حتى غرفته وهو جالس مستريح. فضيق عليه الفندق الخناق لكي"يتعب"ويخرج! ورفع عليه الأسعار!

وحين تتعامل التجارة الدولية بأمانة فائقة، نادرة المثال، خارج حدود القومية، فهي ليست"الأخلاق"وإنما هي"المنفعة"! فالغش يفقد السوق، ويفقد الأرباح! والحرص الشديد على الربح يستوجب الأمانة الفائقة في التعاملات!

على أن هذا التفسير النفعي للأخلاق ليس مقصورًا على التعامل"الخارجي"وحده. فرويدًا رويدًا أصبح هو الدافع الأخلاقي داخل القومية ذاتها! فلم يعد الأمر أن الأخلاق انحسرت من نطاقها الإنساني إلى النطاق القومي، وإنما فقدت حتى داخل هذا النطاق الضيق رصيدها الصادق، وأصبحت منفعة متبادلة بين الناس!

الصدق جميل في التعامل لأنه نافع في حدود التنظيم القومي! أنت تصْدُق وتتوقع من الآخرين أن يكونوا صادقين مثلك. لا لأن الصدق في ذاته فضيلة، ولكن لأنك وإياهم تكسبون بذلك جميعًا، تكسبون توفير كثير من الجهد وكثير من المال وكثير من الوقت.. يمكن أن توجه إلى كسب مزيد من الربح!

فأما حين يكون الصدق بلا مكسب.. أو حين يكون الصدق خسارة مادية.. فما قيمته؟ وما الدافع إليه؟!

حدثني أحد المصريين الذين عاشوا في أمريكا..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت