الصفحة 17 من 290

سنبينه فيما بعد - على أن تنفي هذه الحقيقة، وتزعم أن الدين لم يكن قط موكلًا بغير الوجدان والعقيدة، وأنه لا شأن له بالتشريع للحياة!

فأما العقيدة فهي ثابتة لا تتغير.. الله هو الخالق، والله هو المعبود.. (وإن اختلفت"صور"العبادة من دين إلى دين على مدار التاريخ) .

وأما الشريعة فقد تدرجت مع الناس في نموهم ونضوجهم، من البساطة إلى التعقيد، ومن التعميم إلى التفصيل.. حتى اكتمل الدين عقيدةً وشريعةً يوم قال تعالى:"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا" (1) .

وعلى مدار التاريخ وجد الهدى والجاهلية متجاورين ومتعاقبين.. كلما أرسل رسول ونزل من عند الله وحي.. فاستقام الناس على الهدى في"أطوار"مختلفة من حياتهم، وارتدوا إلى الجاهلية في هذه الأطوار ذاتها أو في أطوار أخرى.. فكان الهدى وكانت الجاهلية في كل مرة متناسبين ومتناسقين مع"طور"الحياة الذي وجدا فيه:

"وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ" (2) .

فهذه رسالة شعيب إلى قومه: عقيدة وشريعة. العقيدة الثابتة التي لا تتغير:"اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ". وشريعة مبسطة، تشمل خيوطًا اقتصادية:"فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ"، وخيوطًا اجتماعية وسياسية:"وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا.. وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ.."على قد"الطور"الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي كانوا يعيشون فيه.

وفي هذا الطور نظم بعض الناس حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على هدي شريعة الله فكانوا مؤمنين، أو كانوا"مسلمين"بالمعنى الشامل للإسلام. وأبى آخرون -

(1) سورة المائدة [3] .

(2) سورة الأعراف [85 - 86] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت