واتجه الفن، المشغول بالإله المعبود بصورة ظاهرة.. اتجه إلى عبادة الحتميات، يفسر من خلالها الإنسان.
لم يعد الإنسان في ذاته هو موضوع الفن.. في المذاهب الحديثة التي تسمى المذاهب الاجتماعية وما شابه ذلك من الأسماء (1) . وإنما صار الإنسان مجرد إطار للألوهية الجديدة. تدرس من خلاله الحتمية الاجتماعية أو الحتمية الاقتصادية أو الحتمية التاريخية..
فحياة الإنسان شيء ثانوي في هذا الفن. والشيء الرئيسي هو"الطور"الاجتماعي أو الاقتصادي أو التاريخي، الذي يصوغ هذه الحياة، والناس مجرد أشباح تحركها هذه الحتميات كرهًا عنها لتضعها في مكانها الحتمي من الصورة، لا إرادة لها في تصرفاتها ولا اختيار..
وصارت هذه الحتميات هي"القَدَر"الجديد الذي يسير حياة الإنسان.
ولكنه في هذه المرة ليس القدر اليوناني القديم، المغيّب عن العين، والمغيّب عن الإدراك. إنه قدر مدرَك، منظور، يقاس بالنوع والكم، والأطوال والأبعاد.. ومع ذلك يقوم بين الإنسان وبينه ذات الصراع الذي كان يقوم بين الإنسان وقدر الإغريق القدماء.. مع الفارق.. أن الآلهة الحتمية هنا على حق فيما تفعل.. لا تخبط خبط عشواء! ومع فارق آخر أسوأ: أن"الإنسان"لم يعد يصارع ليثبت ذاته.. فقد ضاع - في ظل هذه الحتميات - وجود الإنسان! وإنما يصارع لأنه غلطان!
في ظل هذه السلسة المتوالية من الانحرافات الجاهلية أنتج الفن الأوربي روائع إنسانية بارعة..!
ولكنها روائع مشوهة بسبب ذلك الانحراف!
إن ما فيها من روعة الإداء ["التكنيك"] ومن روعة التصوير لجوانب من النفس
(1) الأدب"الملتزم"مذهب من مذاهب الجاهلية الحديثة! يلتزم بالتفسيرات المادية للحياة البشرية ويسمى ذلك التزامًا"بالقيم"الاجتماعية!