الصفحة 201 من 290

وهذا الإِسلام - في صورته الأخيرة المكتملة - هو العلاج الوحيد لكل جاهليات الأرض، ولهذه الجاهلية الحديثة على وجه التخصيص.

إن الإسلام هو الذي يعطي الوضع الصحيح لكل ما انحرفت به الجاهلية: في التصور والسلوك. في السياسة والاجتماع والاقتصاد.. في الأخلاق والفن وعلاقات الجنسين.. وكل شيء في حياة الإنسان..

وسنتتبع في هذا الفصل مفاهيم الإسلام في هذه الأمور، لنرى - بعد أن شهدنا الجاهلية الحديثة تفسد كل كيان الإِنسان وحياته، وتشيع الخلل والاضطراب في جميع شئونه - كيف يرد الإِسلام الأمور إلى مكانها الحق، الواضح، المستقيم.. فتستقيم حياة الإنسان في مجموعها، حين تستقر الكليات والجزئيات في مكانها الصحيح.

انحرفت الجاهلية في تصورها لله، والكون والحياة والإنسان..

ومن انحرافها في هذه التصورات انحرفت في سلوكها كله: في السياسة والاقتصاد والاجتماع والأخلاق والفن..

وسنرى كيف تستقيم هذه الأمور كلها حين يستقيم التصور في فكر الإنسان وضميره.. لأن التصور هو الأصل الذي ينشأ عنه السلوك، فينحرف بانحرافه أو يستقيم..

ولقد استقام هذا التصور مرة في حياة البشرية.. على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأمة المسلمة التي رباها على عينه، والتي قال فيها خالقها:"كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ" (2) .. وعندئذ استقامت شئون الحياة كلها، في جميع فروعها وميادينها.. وقامت أكبر حركة بعث في التاريخ..

وانطلقت الحركة المهتدية بمنهج الله، تنشر الهدى في كل الأرض..

وعلى الرغم مما أصاب المسلمين من انحراف تدريجي عن هذا المنهج، فقد ظلوا قبسا منيرًا في كل الأرض، يعلّمون الناس ويهدونهم إلى سواء السبيل.. حتى انحسروا في

(1) سورة المائدة [3] .

(2) سورة آل عمران [110] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت