الصفحة 205 من 290

"وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ" (1)

كيف يعبدون الله - في زعمهم - ثم يأخذون نظام حياتهم عن غير الله؟

كان هذا يكون فرضًا معقولا لو أن الله لم يشرع لهم. أو لو أنه قال لهم: شرعوا لأنفسكم من دوني!

أما وقد شرع لهم، وقال لهم: أطيعوا شريعتي:"وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (2) ".."وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (3) ".."وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" (4) .."وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ" (5) فأنَّى يكون لهم أن يحكموا بغير ما أنزل الله؟

لقد ركز القرآن على تقرير هذه القضية تركيزًا شديدًا مكررًا واضحا في كل سور التشريع: أن قضية التشريع هي قضية الألوهية: الله - وحده - هو"الإله"ومن ثم فهو - وحده - صاحب التشريع. هذه من تلك. إفراد الله - سبحانه - بالألوهية، هو كذلك - في ذات الوقت - إفراده بالحاكمية. فما يكون لأحد أن يكون في الأرض حاكما مع الله. وإلا فقد أشرك نفسه مع الله، وأصبح مشركا، ومن اتبعه مشركون (6) .

ولقد ضلت الجاهلية ضلالتها الكبرى حين فصلت"الشريعة"عن"العقيدة". حين فصلت"الحاكمية"عن"الألوهية".

ثم ترتب على ذلك كل ما ترتب من طغيان في حياة الناس.

وليس هناك نتيجة غير هذه النتيجة!

إنه حين يشرع أحد للناس من غير الله، فقد اتخذ من نفسه إذن"إلها"، يحلل ويحرم؛ وقد اتخذ من نفسه إذن"طاغوتا".. فالطاغوت هو كل حكم غير حكم الله. وهو

(1) سورة الأنعام [91] .

(2) سورة المائدة [44] .

(3) سوة المائدة [45] .

(4) سورة المائد [47] .

(5) سورة المائدة [49] .

(6) راجع ظلال القرآن جـ 6 - 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت