الصفحة 21 من 290

كانت الجاهلية اليونانية تحتوي فنونًا وفلسفات ونظريات سياسية وتجريدات علمية نظرية.

وتراثها في هذه الجوانب تراث كبير..

وقد عنيت أوروبا في"نهضتها"الحديثة بتتبع التراث اليوناني في كل جوانبه، ودراسته دراسة مستفيضة، وتفصيصه إلى أدق جزئياته.. لأنه المعين الذي تقتات منه أوروبا في عصرها الحديث.

وما من شك في أنه كان"جهدًا"بشريا رائعًا، في تعدد جوانبه واتساع آفاقه..

وما بنا أن نبخس الناس أشياءهم! وما بنا أن نحاسب الإغريق على جوانب نقص في تفكيرهم أو جوانب انحراف.. فقد اجتهدوا جهدهم. ولم يكن لهم من معلمٍّ يقوّم انحرافهم ويردهم إلى الصواب فيه. ولا كان في وسعهم - بمفردهم - أن يقوّموا هذا الانحراف..

وإنما نريد فقط - بغير لوم موجه إلى أحد - أن نبين جوانب الانحراف في التراث اليوناني - والانحراف سمة دائمة من سمات الجاهلية - لأنها تفيدنا في تبين ملامح الجاهلية الحديثة، التي تستمد غذاءها من ذلك التراث.

نقول: بغير لوم موجه إلى أحد.. أحد من أولئك الأقدمين، الذين اجتهدوا جهدهم ولم يجدوا من يهديهم. ولكنّا لا نخلي من اللوم أولئك الذين يأخذون عنهم انحرافهم - في الجاهلية الحديثة - بغير مبرر للانحراف.. إلا شهوة الانحراف!

وفي التراث اليوناني أشياء كثيرة نافعة دون شك.. كما في التراث المصري القديم والتراث العربي القديم والتراث الفارسي القديم والتراث الهندي والصيني... إلخ. ولكن هناك أمرين يستحقان التنبيه في هذا الشأن:

الأول: أن أوروبا - في جاهليتها الحديثة - قد بالغت مبالغة شديدة في تضخيم التراث اليوناني - تعصبًا منها لأوروبا! - حتى خيّلت للناس أنه - في جميع أحواله - القمة التي ليس بعدها قمة.. بل القمة التي يقاس إليها الوحي الإلهي ذاته فيصدَّق أو يكذّب - وهو غالبًا يكذّب! - لأنه المحك الصادق الذي لا يوجد أصدق منه في الوجود!!

الثاني: أن إعجابنا ببعض جوانب هذا التراث - كإعجابنا ببعض التراث المصري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت