الصفحة 22 من 290

القديم أو الفارسي أو الهندي أو الصيني - لا ينبغي أن يكون معناه إعطاء هذا التراث قيمة"مطلقة"! فإنما يقاس دائمًا إلى وقته. ولا ينبغي أن يكون معناه كذلك استيحاء هذا التراث في انحرافاته الجاهلية التي ربما كان لها عذر فيها، ولكن لا عذر لنا نحن في استيحائها واتباعها، بعد إذ خرجنا - أو ينبغي أن نكون قد خرجنا - من الجاهلية إلى النور!

وعلى هذا الأساس نعرض انحرافات التراث اليوناني.. أو الجاهلية اليونانية.

هذه الجاهلية التي أوحت - ورسخت - فكرة الصراع بين البشر وبين الله! أو"الآلهة"!

وبصرف النظر عن الاعتقاد بتعدد الآلهة - وهو سمة كل جاهلية، قديمة أو حديثة، سواء كانت الآلهة مادية محسوسة أو معنوية، وسواء أكان هذا الاعتقاد مباشرًا وواضحًا أم ضمنيًا وخافيًا - بصرف النظر عن التعدد في ذاته، فقد أضافت الجاهلية اليونانية إليه فكرة العداوة الضارية بين البشر وأولئك الآلهة المزعومين..

وخير مثال لذلك أسطورة بروميثيوس، سارق النار المقدسة.

"فبروميثيوس"كائن أسطوري كان الإله"زيوس"يستخدمه في خلق الناس من الماء والطين. وقد أحس بالعطف نحو البشر، فسرق لهم النار المقدسة من السماء وأعطاها لهم. فعاقبه"زيوس"على ذلك بأن قيده بالسلاسل في جبال القوقاز حيث وكل به نسر يرعى كبده طول النهار وتتجدد الكبد في أثناء الليل، ليتجدد عذابه في النهار. ولكي ينتقم"زيوس"من وجود النار المقدسة بين أيدي البشر أرسل إليهم"باندورا"- أول كائن أنثى على وجه الأرض - ومعها صندوق يشتمل على كل أنواع الشرور ليدمر الجنس البشري!! فلما تزوجها"إبيميثيوس"- أخو"بروميثيوس"- وتقبل منها هدية"الإله!"فتح الصندوق فانتثرت الشرور وملأت وجه الأرض!!

"تلك طبيعة العلاقة بين البشر والله! النار المقدسة، نار"المعرفة"قد استولى عليها البشر سرقة واغتصابًا من الآلهة، ليعرفوا أسرار الكون والحياة، ويصبحوا آلهة! والآلهة تنتقم منهم في وحشية وعنف، لتنفرد وحدها بالقوة، وتنفرد دونهم بالسلطان!" (1) .

(1) عن كتاب"منهج الفن الإسلامي".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت