وقد قالت أوروبا - في جاهليتها الحديثة - كلامًا كثيرًا جدًّا عن الأساطير اليونانية المختلفة، وعن هذه الأسطورة بالذات.. قالت إنه صراع الإنسان لإثبات ذاته! إثبات وجوده! إثبات فاعليته في الحياة! إثبات إيجابيته! وإن العصيان - عصيان الله - هو برهان الإيجابية والفاعلية وإثبات الذات!
ولسنا هنا نناقش الجاهلية الحديثة..! إنما نحن هنا نعرض فقط ألوانًا من الجاهلية اليونانية ليتضح لنا كيف أثرت في الفكر الأوروبي فيما بعد!
إنه انحراف بشع تكاد تنفرد به - فيما أعلم - تلك الجاهلية اليونانية! فالجاهليات الأخرى - فيما أعلم كذلك - قد توهمت وجود آلهة متعددة. وجعلت من بعض هؤلاء الآلهة آلهة شريرين صناعتهم الشر والانتقام والإيقاع بالإنسان بلا غاية سوى التدمير والإهلاك.. ولكن الجاهلية اليونانية وحدها هي التي اختصت بتصوير هذا الصراع المنفر بين البشر والآلهة، من أجل إثبات فاعلية الإنسان وإيجابيته! فكتبت اللعنة على الإنسان: أنه لا يثبت ذاته إلا على حساب عقيدته. وأن ضميره لا يصطلح مع الله، فلا يقوم الوئام في داخل نفسه بين رغبته الفطرية في إثبات ذاته، ورغبته الفطرية في الإيمان بالله!
والجاهلية اليونانية هي التي قدست"العقل"على حساب الروح.
إنها، وهي تحاول - فيما تزعم لها الجاهلية الأوروبية الحديثة - أن تبرز كيان الإنسان، وقداسته، وإيجابيته، وعلو قدره، ورفعة جوهره، وارتفاع قيمته في الحياة، قد أهدرت أرفع جوانبه وأعظمها - جانب الروح - فلم تلتفت إليه كثيرًا كما التفتت إلى العقل، وجعلته سيد الإنسان!
والعقل طاقة بشرية ضخمة تؤدي دورها الكامل في إثبات وجود الإنسان وفاعليته وإيجابيته في هذا الكون ما في ذلك شك. ولكن الإيمان به وحده.. أو الإيمان به على حساب الروح.. هو انحراف جاهلي يصغر من قيمة هذا الإنسان في النهاية، حين يجعله حيوانًا عاقلًا فحسب، كما عرفته الفلسفة اليونانية! وهو في حقيقته"إنسان".. كائن آخر غير الحيوان! إنسان رفيع بكيانه كله، لا بعقله وحده.. ورفيع بشموله وتكامله