وترابطه، بصورة فريدة لا تتحقق إلا في الإنسان (1) .
ومن جراء هذا التقديس للعقل على حساب الروح، أو على حساب الجانب الملهم من الإنسان، حدثت جملة انحرافات في الجاهلية اليونانية.. فما لا يستطيع العقل إدراكه يصبح شيئًا ساقطًا من الحساب. وكل الوجود يُتناول من جانبه العقلي وحده.. بما في ذلك الوجود الإلهي ذاته.. فالله - سبحانه - موجود بمقدار ما يستطيع العقل أن يدركه.. ولا وجود له إلا في داخل ذلك الإطار (2) ! أما الإدراك"الروحي"لله فضعيف الأثر جدا في الإنتاج اليوناني كله [وفي الجاهلية الحديثة من بعد!] .
كذلك حدثت التجريدات الذهنية التي ملأت الفلسفة اليونانية - وهي نتيجة طبيعية للمبالغة في الاهتمام بالعقل - والتي ظلت تستنفد طاقة أوروبا في جاهليتها الوسطى حتى نبذتها في عصرها الأخير بتأثير المذهب التجريبي الذي أخذته عن المسلمين، كما سنبين فيما بعد.
وكذلك صارت"الأخلاق"قضايا ذهنية أكثر مما هي واقع عملي حي. وحقيقة إن"الديمقراطية"اليونانية كانت تربي أفرادها على فضائل اجتماعية معينة، ولكنها - بعقلها - لم تهتد مثلًا إلى الحاسة الخلقية في أمر الفوضى الجنسية.. فتركتها بلا ضابط، وأدى بها ذلك إلى الدمار..
تلك"بعض"انحرافات الجاهلية اليونانية، نمر بها سريعًا لأنها - كما قلنا - ليست نقطة ارتكازنا في هذا البحث. ولكنا نود أن نخرج منها بمجموعة من الحقائق تنفعنا في متابعة النظر في أمر الجاهلية الحديثة وكل جاهلية في التاريخ.
أولًا: أن وجود بعض الفضائل أو المزايا أو الإنتاج الرفيع في أية جاهلية - ولا تخلو
(1) انظر كتاب"دراسات في النفس الإنسانية".
(2) يقول تعالى:"لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ"ويقول تعالى:"لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ". وقد تخبطت الفلسفة اليونانية تخبطًا ذريعًا في حديثها عن الحقيقة الإلهية، في حدود إدراك العقل البشري القاصر، وكل إنتاجها في هذا السبيل لا يزيد على لغو باطل. فضلًا عن كونه لم يؤثر تأثيرًا حقيقيًا في واقع البشرية ولا في قضية العقيدة. فإن أحدًا لم يؤمن بالله عن طريق التجريدات الذهنية الفلسفية.. ولا كانت هذه التجريدات الفارغة عنصرًا قائمًا في وجود أمة مؤمنة أو مجتمع فاضل في التاريخ!