أية جاهلية من مثل ذلك - لا يعني أنها كانت تحيا حياة سليمة، ولا أنها صالحة للاتباع والاقتباس!
ثانيًا: أن وجود هذه الفضائل والمزايا والإنتاج الرفيع في أية جاهلية لا يرفع عنها وصمة الجاهلية! فإنها مصابة حتمًا بانحرافات تشوه هذه المزايا كلها وتفسد حصيلتها في النهاية!
ثالثًا: أن السبب الرئيسي في هذه الانحرافات أن الجاهلية تحكم بأهوائها - أو بمعرفتها البشرية القاصرة.. سيان! - لأنها لا تعرف هدى الله، أو تعرفه وتنحرف عنه لتتبع سواه!
فإذا عرفنا هذه الحقائق المفيدة، نمضي في استعراض الجاهلية الرومانية على نحو ما فعلنا في جاهلية اليونان.
الجاهلية الرومانية هي جاهلية المادة، وجاهلية الحواس!
ولقد أبدعت هذه الجاهلية أشياء كثيرة نافعة للبشرية، كما أبدعت - من قبل - جاهلية اليونان..
أبدعت"التنظيم".. التنظيم السياسي والإداري والحربي والمدني..
وأبدعت"المدنية"بمعنى استخدام الوسائل المادية والإنتاج المادي لرفاهية الناس وتيسير الحياة عليهم.. فأنشأت الطرق والجسور وخزانات الماء وقنواته، والحمامات، والمسارح والملاعب..
وقد مر بنا - منذ سطور - أن الجاهلية - أية جاهلية - لا يمكن أن تخلو من بعض الخير وبعض النفع. كما مر بنا في تلك السطور أن وجود هذا الخير النسبي لا يمنع الجاهلية من الانحراف! ولا يمنعها في النهاية من الدمار!
أعظم انحرافات الجاهلية الرومانية إيمانها العنيف بالمادة.. على حساب الروح. فالوجود هو الوجود المادي. الوجود الذي تدركه الحواس. أما الذي لا تدركه الحواس فهو شيء لا وجود له، أو في القليل شيء ساقط من الحساب. ومن ثم كان أشد الجوانب ضحالة في حياة الرومان جانب العقيدة!